اكتمل ✓

من هو الفاجر القوي والعاجز التقي وكيف تؤثر الفتن في موازين القيم والإنجاز في زمننا؟

الفاجر القوي هو من يقدم الإنجاز على القيم والأخلاق ويُخشى منه لقوته رغم فجوره، أما العاجز التقي فهو المؤمن الذي يمتلك القيم والأخلاق لكنه يفتقر إلى القوة. المؤمن العاجز خير عند الله من الفاجر القوي، وينبغي أن يكون كذلك عند الناس. على المسلم أن يقدم التقوى على الإنجاز والإنسان على البنيان، وأن يسعى إلى الجمع بين القوة والإيمان.

من هو الفاجر القوي والعاجز التقي وكيف تؤثر الفتن في موازين القيم والإنجاز في زمننا؟
من هو الفاجر القوي والعاجز التقي وكيف تؤثر الفتن في موازين القيم والإنجاز في زمننا؟
3 دقائق قراءة
  • هل يجوز أن يُقدَّم الفاجر القوي على المؤمن التقي في زمن الفتن؟ الإسلام يرفض هذا المعيار جملةً وتفصيلًا.

  • تركنا النبي صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء، فلما زاغ الناس عنها شاع الفساد وفشت الفتن التي تجعل الحليم حيرانًا.

  • ينقسم الناس في هذا العصر إلى ثلاثة أنماط: فاجر قوي، وعاجز تقي، ومؤمن كامل وفي.

  • الفاجر القوي يتبنى مبدأ تقديم الإنجاز على القيم، وهو نموذج خطير يُعلِّم الأجيال أن معيار النجاح القوة وحدها.

  • قوم عاد مثال تاريخي على أمة افتتنت بإنجازاتها وقوتها فرفضت دعوة نبيها هود وكان مصيرها الهلاك.

  • على المسلم أن يقدم التقوى على الإنجاز والإنسان على البنيان، وأن يسعى إلى الجمع بين القوة والإيمان لا الرضا بالعجز.

بيان اكتمال الهداية وترك الأمة على المحجة البيضاء

الفاجر القوي والعاجز التقي

ما ترك الله لنا طريقًا يبلغنا رضاه وجنته إلا وأرشدنا إليه، وحثنا عليه رسوله الكريم صلوات الله عليه وسلامه، وما ترك لنا طريقًا يؤدي بنا إلى النار إلا وحذرنا منه وأحدث لنا منه ذكرا، وتركنا رسول الله على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

فلما زاغ الناس عن المحجة البيضاء شاع الفساد وفشت الفتن من حولنا تلك الفتن التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:

«يخرج في آخر الزمان رجال يختلون –أي يطلبون في خداع- الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله عز وجل أبي يغترون؟ أم علي يجترثون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانا» (رواه الترمذي)

وفي ذلك تصديق لقوله تعالى:

(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ) [الأنفال:25].

ظلمات الفتن والحاجة إلى نور الله والاعتصام بحبله

ذلك الحليم الذي يفكر فلا يعرف قبيل الفتن من دبيرها يحاول أن يعلم أين هو منها فإذ به وكأنه في ظلمات بعضها فوق بعض كموج البحر قال تعالى:

(ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) [النور:40].

فهي فتن يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا ونحن في هذه الحالة نريد أن نعتصم بحبل الله ونتعلق بسفينة النجاة التي توصلنا إلى الله بإذنه تعالى.

سمات العصر الحديث وتقسيم الناس إلى ثلاثة أنماط

لابد أن نحاول معرفة أسباب ما يجري من حولنا فإن العصر اتسم بالإنجاز الذي قد سبق الأخلاق والقيم وسبق النشاط الفكر والتفكر والتدبر، وقدمت المصلحة على الشريعة وتقدمت اللذات على عبادة الله فكان الناس في العصر على ثلاثة أنحاء: فاجر قوي، وعاجز تقي، ومؤمن كامل وفي.

أما الفاجر القوي فيتبنى مبدأ تقديم الإنجاز على القيم والأخلاق وهو نموذج يخافه الجميع لقوته رغم ظهور فضائحه وسوء أخلاقه وهو لا يرى في ذلك ضررًا خاصة طالما أنه ما زال ينجز وينجح في عمله ونحن نخشى على أولادنا من هذا النموذج الذي يعلمهم أن معيار النجاح في الحياة القوة والإنجاز حتى وإن خالطه الفجور.

تربية النبي على القوة وفضل المؤمن العاجز على الفاجر القوي

وفي المقابل نرى تربية الله ورسوله لنا على غير هذا الشأن، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يربينا أن نكون أقوياء، وأن نأخذ بيد العاجز منا ونصل به إلى القوة فالعجز مذموم خاصة إن كان في عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس، غير أن المؤمن العاجز خير من الفاجر القوي عند الله، وينبغي أن يكون كذلك عند الناس فالمؤمن يمتلك القيم والأخلاق والإصلاح هو البناء الذي تقوم به الحضارة الإنسانية الحقيقية.

ومبدأ الإنجاز الذي نذمه هو أن يكون وحده المعيار مع مخالفة الأخلاق والقيم والثوابت أما الإنجاز مع الالتزام بكل ذلك هو مطلوب ومأمور به في شرعنا، لم يكن نموذج الفاجر القوي بدعًا في اعتماد مبدأ الإنجاز المذموم، فتاريخ البشرية يشهد بوجود هذا النموذج منذ قديم الزمن، وخير دليل على ذلك قوم عاد، وهي إحدى الأمم البائدة حيث تودد لهم نبيهم هود عليه السلام كما حكى عنه القرآن ذلك فقال:

قوم عاد وافتتانهم بالإنجاز والقوة في دعوة هود

(إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ) [الشعراء:124-127]، وأدرك هود أن قومه فتنوا بمنجازاتهم فأراد أن يذكر أنها نعم الله وأن الله سوف يزيدها إذا أنتم آمنتم به، فقال لهم:

(أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ) [الشعراء:128-133].

فتمسكوا بشرعية النظام الذي هم عليه، وتمسكوا بما قد ورثوه وقرروه، ولو كان مخالفًا لمراد الله ورسوله، وقالوا حسمًا للقضية

(قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ) [الشعراء:136-137].

التشبه بعاد اليوم وضرورة تقديم التقوى والإنسان على الإنجاز والبنيان

ويبدو أننا قد دخلنا في دائرة التشبه بعاد، حيث عبثنا وجعلنا الإنجاز قرين القوة، وجعلنا العجز قرين التقوى، والله لا يحب أن يتقدم الفاجر القوي على العاجز التقي، ولا يحب من التقي أن يستمر على عجزه.

فينبغي على المسلم أن يقدم المقدم، ويؤخر المؤخر، فيقدم المسلم الكيف على الكم، والتقوى على الإنجاز، ويقدم الجار قبل الدار، فهو دائمًا يقدم الإنسان على البنيان، رزقنا الله الرشد والصواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المقصود بـ'الفاجر القوي' في سياق الحديث عن أنماط الناس في العصر الحديث؟

من يتبنى مبدأ تقديم الإنجاز على القيم والأخلاق

ما الذي وصف به النبي صلى الله عليه وسلم رجال آخر الزمان في الحديث المذكور؟

ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب

ما الأنماط الثلاثة التي ينقسم إليها الناس في العصر الحديث وفق ما ورد في المحتوى؟

فاجر قوي وعاجز تقي ومؤمن كامل وفي

ما الحكم الشرعي في الإنجاز المقترن بالالتزام بالقيم والأخلاق؟

مطلوب ومأمور به في الشريعة

بماذا افتتن قوم عاد فرفضوا دعوة نبيهم هود عليه السلام؟

بالبنيان والقوة والإنجازات المادية

ما الذي قاله قوم عاد ردًا على دعوة هود عليه السلام؟

سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين

ما الذي يجب على المسلم تقديمه دائمًا وفق المنهج الإسلامي الصحيح؟

الإنسان على البنيان والتقوى على الإنجاز

ما الآية القرآنية التي استُشهد بها لوصف حال الإنسان في ظلمات الفتن؟

ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا

ما الذي اتسم به العصر الحديث وفق ما ورد في المحتوى؟

الإنجاز الذي سبق الأخلاق وتقديم المصلحة على الشريعة

ما موقف الإسلام من العجز في عبادة الله وعمارة الأرض؟

مذموم ويجب السعي للتخلص منه

ما معنى قول النبي إنه ترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها؟

أي أن الطريق إلى رضا الله واضح تمامًا لا لبس فيه، وأن من يزيغ عنه فهو هالك، وقد بيّن النبي كل طريق يؤدي إلى الجنة وكل طريق يؤدي إلى النار.

ما الفرق بين الفتنة التي تصيب الظالمين خاصة والفتنة العامة؟

الآية الكريمة (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) تدل على أن الفتنة قد تعم الجميع ولا تقتصر على الظالمين، مما يستوجب الحذر من الجميع.

لماذا يُعدّ نموذج الفاجر القوي خطيرًا على الأجيال؟

لأنه يعلم الأجيال أن معيار النجاح في الحياة هو القوة والإنجاز حتى وإن خالطه الفجور، مما يُفسد القيم ويجعل الأخلاق ثانوية في نظر الشباب.

ما الذي أراد هود عليه السلام أن يذكّر به قومه حين رأى افتتانهم بإنجازاتهم؟

أراد أن يذكرهم بأن ما يملكونه من بنيان وأنعام وبنين هو نعم من الله، وأن الله سيزيدها إذا آمنوا به واتقوه.

ما المقصود بـ'سفينة النجاة' في سياق الحديث عن الفتن؟

هي الاعتصام بحبل الله والتمسك بمنهجه الذي يوصل المسلم إلى الله بإذنه تعالى وسط ظلمات الفتن.

ما الأمم البائدة التي ضُرب بها المثل على الافتتان بالقوة والإنجاز؟

قوم عاد، وهي إحدى الأمم البائدة التي افتتنت بإنجازاتها وقوتها ورفضت دعوة نبيها هود عليه السلام.

ما الأولويات التي يجب على المسلم مراعاتها في حياته؟

يقدم الكيف على الكم، والتقوى على الإنجاز، والجار قبل الدار، والإنسان على البنيان دائمًا.

ما موقف الله من تقدم الفاجر القوي على العاجز التقي؟

الله لا يحب أن يتقدم الفاجر القوي على العاجز التقي، كما لا يحب من التقي أن يستمر على عجزه.

ما الأسباب التي أدت إلى انتشار الفساد والفتن في العصر الحديث؟

اتسم العصر بالإنجاز الذي سبق الأخلاق والقيم، وسبق النشاط الفكرَ والتدبر، وتقدمت المصلحة على الشريعة واللذات على عبادة الله.

ما الذي يميز المؤمن الكامل الوفي عن الفاجر القوي والعاجز التقي؟

المؤمن الكامل الوفي يجمع بين القوة والتقوى والقيم والأخلاق، فلا يرضى بالعجز ولا يتنازل عن الأخلاق في سبيل الإنجاز.

ما الذي يبنيه الإصلاح الأخلاقي وفق المنهج الإسلامي؟

الإصلاح الأخلاقي هو البناء الذي تقوم به الحضارة الإنسانية الحقيقية، لأن المؤمن يمتلك القيم والأخلاق التي هي أساس أي حضارة راسخة.

ما الفتنة التي توعد الله بها الذين يختلون الدنيا بالدين؟

أقسم الله أنه سيبعث عليهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانًا، وذلك جزاء اغترارهم وجرأتهم على الله.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!