اكتمل ✓

كيف يؤدي التلاعب بالألفاظ إلى استحلال الحرام وتضييع الأحكام الشرعية وما علاقته بمدارس ما بعد الحداثة؟

التلاعب بالألفاظ من أهم أسباب انتشار الفساد، إذ يُستحل به الحرام بتغيير مسمياته، كتسمية الخمر مشروبات روحية والزنا حرية خاصة. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الظاهرة بقوله إن ناسًا من أمته يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها. وتجد هذه الظاهرة تأصيلها الفكري في مدارس ما بعد الحداثة التي تسعى إلى تغيير دلالات الألفاظ بحجة توسيع الحرية الفكرية.

كيف يؤدي التلاعب بالألفاظ إلى استحلال الحرام وتضييع الأحكام الشرعية وما علاقته بمدارس ما بعد الحداثة؟
كيف يؤدي التلاعب بالألفاظ إلى استحلال الحرام وتضييع الأحكام الشرعية وما علاقته بمدارس ما بعد الحداثة؟
3 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن يتحول الحرام إلى حلال بمجرد تغيير اسمه، وكيف يحدث ذلك في واقعنا المعاصر؟

  • التلاعب بالألفاظ من أبرز أسباب انتشار الفساد، إذ يُستحل الحرام بإطلاق مسميات جديدة عليه كتسمية الخمر مشروبات روحية والزنا حرية خاصة.

  • حذّر النبي صلى الله عليه وسلم صراحةً من هذه الظاهرة في آخر الزمان، مؤكدًا أن الحقائق ثابتة بصرف النظر عن تغيير المسميات.

  • للغة ثلاث وظائف أساسية هي الوضع والاستعمال والحمل، وصحة التواصل البشري مرهونة بالحفاظ على هذه الوظائف وعدم العبث بها.

  • مدارس ما بعد الحداثة تسعى إلى إزالة سلطان خمسة أشياء هي الثقافة والدين والأسرة والدولة واللغة، مما يفتح الباب أمام النسبية المطلقة وإباحة الشذوذ.

  • المواجهة الحقيقية لهذا الفساد تستهدف الأساس الفكري والفلسفي الذي يُؤصّل له، لا مجرد السلوك الفردي الذي يمكن إصلاحه بالتوبة.

خطورة التلاعب باللغة في استحلال الحرام وانتشار الفساد

التلاعب بالألفاظ (1) لعل التلاعب باللغة وألفاظها من أهم أسباب الفساد الذي ملأ الأرض، وضج منه جميع الصالحون، بل والعقلاء من كل دين ومذهب، فإن التلاعب باللغة يفتح علينا أبواب شر كبيرة، حيث يُستحل الحرام، ويُحرم الحلال، ويُؤمر بالمنكر ويُنهى عن المعروف، وذلك كله عكس مراد الله من خلقه، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

(إن ناسًا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) [أخرجه الحاكم في المستدرك].

فرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك البيان النبوي لا يريد أن يشير إلى تلك الكبيرة وهي شرب الخمر فحسب، بل إنه يتكلم عن تلك الصفة التي ستظهر في آخر الزمان وهي التلاعب بالألفاظ، والتي يترتب عليها تضييع الأحكام الشرعية، فيستحل الناس الذنوب والكبائر، فالخمر تسمى مشروبات روحية مثلاً، والزنا يسمى حرية الحياة الخاصة، أو حرية الممارسة الجنسية، ولذلك يظن الناس أن أحكام الله عز وجل لا تنطبق على تلك المسميات الجديدة، رغم أن الحقائق ثابتة.

الأساس الفكري لوظائف اللغة الثلاث الوضع والاستعمال والحمل

إن الأساس الفكري الذي نؤكد عليه دائمًا هو ضرورة أن تقوم اللغة بوظائفها التي تبرر وجودها أصلا، فإن للغة ثلاث وظائف أساسية، أولى تلك الوظائف هي : الوضع بمعنى جعل الألفاظ بإزاء المعاني، فهو أمر لا بد منه حتى يتم التفاهم بين البشر.

وثاني تلك الوظائف هي الاستعمال : وذلك أن المتكلم يستخدم تلك الأصوات المشتملة على حروف لينقل المعاني التي قامت في ذهنه إلى السامع، وهنا تأتي الوظيفة الثالثة والأخيرة وهي الحمل : والتي تعني حمل تلك الألفاظ على مقابلها من المعاني التي سبق للواضع أن تواضع عليها، وقد قرر العلماء عبارة موجزة توضح ما ذكرناه، فقالوا : (إن الاستعمال من صفات المتكلم، والحمل من صفات السامع، والوضع قبلهما).

مواجهة التلاعب بالألفاظ وأثر ما بعد الحداثة على دلالات اللغة

وينبغي أن يسود ذلك الأساس الفكري في التعامل مع اللغة ليواجه أساسًا فكريًا آخر أصّل الفساد عن طريق التلاعب بالألفاظ، ولعل ما ظهر من مدارس ما بعد الحداثة الفكرية تأصيلاً لذلك الأساس الذي يقرر التلاعب بالألفاظ

فترى تلك المدارس أن عملية الوضع ينبغي أن تكون مرنة لا تتقيد بالموروث، ولا يقتصر هذا المفهوم على اتساع اللغة طبقًا لزيادة مساحة عالم الأشياء، والأشخاص، والأحداث، والأفكار، والنظم، وهو الاتساع المتفق عليه نظراً وعملاً، بل مقصودهم تغيير دلالات الألفاظ بحيث تزداد مساحة الحرية الفكرية.

مشروع ما بعد الحداثة المتطرف لإزالة الثقافة والدين والأسرة والدولة واللغة

وترى بعض المدارس المتطرفة من مدارس ما بعد الحداثة أن هناك خمسة أشياء يجب أن تزول حتى يستطيع الفكر البشري أن يبدع، وأن ينطلق بدون أي عائق وهذه الخمسة هي : الثقافة، والدين، والأسرة، والدولة، واللغة. ورفع سلطان الثقافة السائدة أمر سيؤدي إلى الاتجاه نحو (النسبية المطلقة) التي تدعو هذه المدارس الفكرية لتبنيها، والتحرر من سلطان الدين قد تم من قبل في الحضارة الغربية، والأسرة أصبحت تطلق عندهم على أي اثنين، فلم يعد المعنى زوج، وزوجة، وابن، وابنة، أب، أم، عائلة.

فهم يعدون هذا من المعاني المعجمية أي التي وجدناها في المعجم اللغوي، ومن هذا المدخل أصبح الشذوذ الجنسي ـ الذي لعن عند عقلاء البشر دع عنك الأديان كلها ـ من حقوق الإنسان، ورفع سلطان الدولة وأن يستبدل بها الجمعيات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني يحتاج إلى تغيير النظام القانوني والاجتماعي، بل قوانين الفكر والنموذج المعرفي والإطار المرجعي. أما إنهاء سلطان اللغة فهو أمر مفزع حقاً

نقد الأساس الفكري المفسد وتحريف معنى الحرية إلى التفلت

فنحن لا نهاجم السلوك البشري في هذه الذنوب (الزنا والشذوذ وشرب الخمر) فحسب، فإن ذلك السلوك يمكن أن يزول بالتوبة والرجوع إلى الله إذا كان الأساس العقائدي والفكري سليم، وإنما نهاجم بالأصالة ذلك الأساس الفكري والفلسفي الذي مهد لانتشار ذلك الفساد العريض.

ومن أمثلة ذلك التلاعب إطلاق لفظة الحرية على التفلت، وهي في الحقيقة كانت تدل أول ما أطلقت على إنهاء العبودية والرق بين الإنسان وأخيه الإنسان، أصبحت الآن كلمة تعني التفلت من كل شيء، وكان هذا التلفت الذي يدعون إليها مبرر الإبداع والفن والجمال.

الخروج عن حدود الجمال والفن إلى سمادير السكرانين والتحذير الختامي

والحقيقة أننا خرجنا عن حدود الجمال وحدود الفن إلى بعض سمادير السكرانين، والسمادير هي هذه الخيالات المريضة التي يراها السكران أثناء سكره، فهل لهذه الحالة من إفاقة قبل ضياع المسلمين ومن ثم البشرية بأسرها ؟ [يتبع]

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الحديث النبوي الذي يُستشهد به على ظاهرة التلاعب بالألفاظ في آخر الزمان؟

إن ناسًا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها

ما الوظيفة اللغوية التي تعني جعل الألفاظ بإزاء المعاني لضمان التفاهم بين البشر؟

الوضع

وفق علماء اللغة، ما الوظيفة اللغوية التي تُعدّ من صفات السامع؟

الحمل

ما الأشياء الخمسة التي ترى بعض مدارس ما بعد الحداثة المتطرفة ضرورة إزالتها؟

الثقافة والدين والأسرة والدولة واللغة

ما المعنى الأصلي لكلمة الحرية قبل أن يُحرَّف بالتلاعب بالألفاظ؟

إنهاء العبودية والرق بين الإنسان وأخيه الإنسان

ما المقصود بمصطلح السمادير في سياق الحديث عن الفن والجمال؟

الخيالات المريضة التي يراها السكران أثناء سكره

ما الفرق الجوهري بين مهاجمة السلوك الفردي ومهاجمة الأساس الفكري في مواجهة الفساد؟

السلوك يمكن إصلاحه بالتوبة إذا كان الأساس العقائدي سليمًا، أما الأساس الفكري الفاسد فيُؤصّل الفساد ويُديمه

ما الاتجاه الفكري الذي تدعو إليه مدارس ما بعد الحداثة نتيجة رفع سلطان الثقافة السائدة؟

النسبية المطلقة

ما المصدر الذي أخرج حديث شرب الخمر بتسميتها بغير اسمها؟

الحاكم في المستدرك

ما الذي تقصده مدارس ما بعد الحداثة بمرونة الوضع اللغوي؟

تغيير دلالات الألفاظ لتوسيع مساحة الحرية الفكرية لا مجرد استيعاب مستجدات العالم

ما أبرز مثالين على التلاعب بالألفاظ لاستحلال الحرام في العصر الحديث؟

تسمية الخمر مشروبات روحية، وتسمية الزنا حرية الحياة الخاصة أو حرية الممارسة الجنسية، مما يوهم بأن أحكام الله لا تنطبق على هذه المسميات الجديدة.

ما العبارة الموجزة التي قررها العلماء لتوضيح وظائف اللغة الثلاث؟

الاستعمال من صفات المتكلم، والحمل من صفات السامع، والوضع قبلهما.

لماذا يُعدّ التلاعب بالألفاظ أخطر من مجرد ارتكاب الذنب الفردي؟

لأن الذنب الفردي يمكن أن يزول بالتوبة إذا كان الأساس العقائدي سليمًا، أما التلاعب بالألفاظ فيُفسد الأساس الفكري ذاته ويُؤصّل الفساد ويُديمه في المجتمع.

كيف تعاملت مدارس ما بعد الحداثة مع مفهوم الأسرة؟

أصبحت كلمة الأسرة تُطلق على أي اثنين، فلم يعد المعنى مقتصرًا على الزوج والزوجة والأبناء والوالدين، وعدّوا المعنى الأصيل مجرد معنى معجمي قديم.

ما النتيجة التي ترتّبت على التحرر من سلطان الدين في الحضارة الغربية وفق السياق المذكور؟

أدى ذلك إلى اعتبار الشذوذ الجنسي الذي لعنه عقلاء البشر وجميع الأديان ضمن حقوق الإنسان، من خلال تغيير دلالات الألفاظ وإزالة المرجعية الدينية.

ما الفرق بين الاتساع اللغوي المتفق عليه وبين ما تدعو إليه مدارس ما بعد الحداثة؟

الاتساع المتفق عليه هو توسيع اللغة لاستيعاب الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار الجديدة، أما ما تدعو إليه تلك المدارس فهو تغيير دلالات الألفاظ القائمة لتوسيع الحرية الفكرية.

ما الخطر الذي يُشير إليه التساؤل الختامي عن الإفاقة من سمادير السكرانين؟

يُشير إلى خطر الضياع الحضاري الشامل الذي لا يقتصر على المسلمين بل يهدد البشرية بأسرها إذا استمر التلاعب بالألفاظ وتفكيك المنظومة الأخلاقية.

ما الذي يقصده النبي صلى الله عليه وسلم بالإشارة إلى تسمية الخمر بغير اسمها؟

لا يقتصد على الإشارة إلى كبيرة شرب الخمر فحسب، بل يتحدث عن صفة ستظهر في آخر الزمان وهي التلاعب بالألفاظ التي يترتب عليها تضييع الأحكام الشرعية واستحلال الذنوب والكبائر.

ما الذي يعنيه إنهاء سلطان اللغة وفق مدارس ما بعد الحداثة؟

يعني إزالة الدلالات الثابتة للألفاظ وجعل المعاني خاضعة للتغيير المستمر، وهو أمر يُوصف بأنه مُفزع لأنه يُقوّض أساس التواصل البشري والمنظومة المعرفية برمتها.

ما العلاقة بين التلاعب بالألفاظ والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف؟

التلاعب بالألفاظ يُفضي إلى عكس مراد الله من خلقه، فيُستحل الحرام ويُحرم الحلال ويُؤمر بالمنكر ويُنهى عن المعروف، لأن الناس يظنون أن الأحكام الشرعية لا تنطبق على المسميات الجديدة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!