اكتمل ✓

ما المقصود بفقه الأمة في الزكاة وكيف يختلف عن فقه الأفراد وما دور ولي الأمر في الاختيار الفقهي؟

فقه الأمة في الزكاة يتجاوز الأحكام الفردية ليعالج قضايا المجتمع كله، كتوسيع مصرف الرقاب ليشمل الشعوب المضطهدة، وتحديد حدود الكفاف والكفاية والكفاءة للقضاء على الفقر. ولي الأمر يملك سلطة الاختيار الفقهي استناداً إلى قاعدة أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، مع مراعاة جهات التغير الأربع: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال. فقه الأمة لا يُبطل فقه الأفراد بل يضيف إليه ويوسّع آفاقه.

ما المقصود بفقه الأمة في الزكاة وكيف يختلف عن فقه الأفراد وما دور ولي الأمر في الاختيار الفقهي؟
ما المقصود بفقه الأمة في الزكاة وكيف يختلف عن فقه الأفراد وما دور ولي الأمر في الاختيار الفقهي؟
3 دقائق قراءة
  • هل الزكاة تُصرف في الشعوب المضطهدة والمحتلة اليوم أم أن مصرف الرقاب انتهى بانتهاء العبودية؟

  • فقه الأمة يختلف جوهرياً عن فقه الأفراد؛ إذ يعالج أحكام الزكاة على مستوى المجتمع والدولة لا الفرد وحده.

  • قاعدة "حكم الحاكم يرفع الخلاف" تمنح ولي الأمر سلطة الاختيار الفقهي بين المذاهب وتنظيم تطبيق الزكاة.

  • مفهوم الدولة الحديثة بمؤسساتها الرقابية وفصل السلطات يستوجب مراجعة أزمة الثقة التاريخية بين الفقهاء والحكومات.

  • فقه الأمة يحدد حد الكفاف والكفاية والكفاءة ويضم إلى الزكاة الكفارات والأوقاف والركاز لمعالجة الفقر معالجة شاملة.

  • الاختيار الفقهي الصحيح يراعي جهات التغير الأربع: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، مع الالتزام بالمقاصد الشرعية وعدم الخروج عن الإجماع.

مدخل الى فقه الامة واهتمام الباحثين الشباب بالزكاة

الزكاة وفقه الأمة

لما فتحنا باب التنبيه إلى فقه الأمة ووجوب الاهتمام به وإحياء سنة السلف الصالح في تأليفهم حوله، تلقيتُ عدة أسئلة من شباب الباحثين الذين اشتاقوا للقيام بالبحث في مجال فقه الأمة، وأحببت أن أتواصل معهم من خلال المقال الحالي.

كيف نجيب على أسئلة تتعلق مثلاً بركن من أركان الإسلام وهي الزكاة؟ ما حكمة فرضها؟ وما دلالة أحكامها في الأمة؟ وهل الزكاة تكون في كل الأموال أم أنها فقط في كل مالٍ نامٍ؟ وكيف يتم الاختيار الفقهي لمجموعة من الأسئلة الكثيرة لا نعلم أحكامها إلا من قبيل فقه الأفراد؟ وكيف يتم الترجيح بين المذاهب المختلفة في هذا الشأن؟ وما السبب الظاهر في العدول عن فقه الأمة في مثل هذا الموضع والاستغراق في فقه الأفراد؟

قاعدة حكم الحاكم وسلطة ولي الامر في الاختيار الفقهي

لقد تقرر عند الفقهاء أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، وهي قاعدة حُملت أساسا على حكم القاضي، حيث إنه يرفع الخلاف بين المتنازعِين ظاهرا وباطنا، ويقصدون بالظاهر ما بين الناس بعضهم مع بعض، ويقصدون بالباطن ما بين الناس والله سبحانه وتعالى، أي دِيانةً، ومن هذه القاعدة أخذ وليُّ الأمر سلطةَ الاختيارِ الفقهي، حيث تقرر عندهم أيضا أن ولي الأمر هو الذي يأمر القاضي ويوجهه بأي المذاهب يَحكُم، فقد يأمره بأن يحكم بمذهب مَن قَبله، أو بمذهب غيره، أو يترك له حرية الاختيار، وكل ذلك تم تنظيمه بعد حركة التقنين التي قادتها الدولة العثمانية بإصدارها لـ"المجلة العدلية" ثم ما تلا ذلك في العالم الإسلامي كله من نظام قانوني يتوخى العدل ولا يخرج عن أسس الشريعة الغراء.

فتمّ تنظيم هذا الاختيار الفقهي، ولكن حدثت أزمة ثقة من قرون طويلة بين الناس -ومِن بينهم الفقهاء- وبين الحكومة التي كانت غالبا موضعَ اتهام دائمٍ، وهنا خَفَتَ دورُ فقه الأمة، وارتمى طلبةُ العلم بقوة في أحضان فقه الأفراد.

تحول مفهوم الدولة الحديثة وضرورة محاربة الفساد لا الحكومة

يجب علينا أن نراجع إدراكَ الواقع كل حين؛ فإن مفهوم الدولة الحديثة لم يعد يتيح للأموال أن تذهب إلى خزينة الحاكم الشخصية، وأصبحت هناك مؤسسات رقابية، وأصبحت الدولة دولة مؤسسات يعلو قوانينَها دستورٌ هو أبو القوانين، وانفصلت السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية، بحيث يجب مراجعة هذا الاتهام الذي ولا بد أنه قد تغيرت صوره، حيث إن الأمر المطلوب الآن لم يعد اتهام الحكومة باعتبار أنها حكومة، وإنما أصبح هو محاربة الفساد الذي لا يمكن لحكومة في الأرض أن تُقِرّ به حتى لو عجزت عن مقاومته، فإنه لا بد عليها أن تَشُنّ عليه أيضا الحرب، ومقاومة هذا الفساد سوف تختلف طرقه بهذه الصفة حتى لو استشرى فيها نفسها.

منهج الاختيار الفقهي وجهات التغير مع نسبية الاجتهاد

والاختيار الفقهي يجب أن نحدد فيه: أولا طريق الاختيار: هل سيكون بالأرجح دليلا، أم سيكون بمراعاة المصلحة، أم سيكون بالانتقاء في كل مسألة على حدة مِن الفقه الإسلامي الواسع الموروث فيما فيه اجتهاد من السابقين مع القيام باجتهاد جديد في المسائل المحدثة، وثانيا مراعاة جهات التغيّر الأربع: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال؛ حتى نحقق المصالح ولا نخرج عن المقاصد الشرعية ونحسُب حِساب الملائمة الواقعية مع عدم الخروج على إجماع ثابت واضح، وبذلك نأخذ جانب النسبية في الاجتهاد ونتائجه؛ لأنه جهد بشري، مع الإيمان بأن النص المقدس من كتاب أو سنة صحيحة مطلق.

توسيع مصرف في الرقاب بين فقه الامة وفقه الافراد

وننبه أيضا أن فقه الأمة لا يُبطِل فقهَ الأفراد، بل يضيف إليه؛ ففقه الأمة سوف يرى مصرف (في الرِّقاب) -وهو أحد المصارف الثمانية في سورة التوبة، حيث قال تعالى:

(إنَّما الصَّدَقاتُ للفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عليها والمُؤَلَّفةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللهِ وابنِ السَّبِيلِ فَرِيضةً مِنَ اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة:60]

  • يجب صرفه في الشعوب المضطهدة في بلادها والشعوب المحتلة والشعوب الذليلة التي حُرِمَت مِن حقوقها، تلك الحقوق التي فرضها الله وارتقى بها إلى حد الواجبات، فليس إعطاؤها مِن قَبِيل المنّة، ولا أخذها مِن قبيل التسول، في حين إن ذلك فُهم في فقه الأفراد على أنه يُصرَف للعبيد خاصةً، ولذلك يرى فقه الأفراد أن هذا المصرف الآن لا وجود له؛ حيث أُلغِي الرِّقُّ.

شعر احمد شوقي في عدل الزكاة ومعاني البر الاجتماعي

ويذكرنا هذا المعنى بقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

البِّرُّ عندكَ ذِمّةٌ وفَرِيضــــةٌ * لا مِنّــةٌ مَمنُونـةٌ وجِباءُ

جاءَت فوَحَّـدَتِ الزَّكاةُ سَبِيلَهُ * حتى التَقى الكُرَماءُ والبُخَلاءُ

أَنصَفتَ أَهلَ الفَقرِ مِن أَهلِ الغِنى * فالكُـلُّ في حَقِّ الحَياةِ سَواءُ

حدود الكفاف والكفاية والكفاءة ومنظومة شاملة لمعالجة الفقر

إن فقه الأمة وهو يبحث عن حكمة الزكاة سوف يحدد ما يسمى بحَدّ الكَفاف وحَدّ الكفاية وحَدّ الكفاءة، وسوف يرفض فكرةَ وجودِ حِزامِ الفقر في المجتمع، وحينئذ وبطريقة عملية نطبق قوله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عنه أنس بن مالك رضي الله عنه:"ما آمَنَ بِي مَن باتَ شَبعانَ وجارُه جائعٌ إلى جَنبه وهو يَعلَمُ به".( رواه الطبراني كما في مجمع الزوائد). وسوف يعالج هذه المشكلة بصورة شاملة وكلية، ويَضُمُّ فيها إلى الزكاة الكفاراتِ والتركاتِ التي لا وارث لها؛ مستأنسا بأنه لا سائبةَ في الإسلام، فليس هناك مال لا صاحبَ له، ويضم أيضا رِكازَ الأرضِ والوقفَ الداخلين في فكرة الفَيء، ولكنه سوف يتعامل أيضا مع الفقر في منظومة كلية تسعى إلى تنمية الموارد البشرية والتكافل الاجتماعي والقضاء على الجهل وإتاحة الصحة للجميع ومنع استغلال الطفولة والمرأة، فالشمول لا يكون فقط في رؤية الأحكام المتعلقة بالزكاة، بل سيكون أيضا في التطبيق.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المقصود بقاعدة "حكم الحاكم يرفع الخلاف" في الفقه الإسلامي؟

أن حكم القاضي يرفع الخلاف بين المتنازعين ظاهراً وباطناً

ما الجهات الأربع التي يجب مراعاتها في الاختيار الفقهي؟

الزمان والمكان والأشخاص والأحوال

كيف يفسر فقه الأمة مصرف "في الرقاب" في الزكاة في العصر الحديث؟

يرى أنه يُصرف في الشعوب المضطهدة والمحتلة والمحرومة من حقوقها

ما الحديث النبوي الذي استند إليه فقه الأمة في رفض وجود حزام الفقر؟

"ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به"

ما الذي أصدرته الدولة العثمانية لتنظيم الاختيار الفقهي؟

المجلة العدلية

ما الفرق الجوهري بين فقه الأمة وفقه الأفراد؟

فقه الأمة يعالج أحكام الشريعة على مستوى المجتمع ويضيف إلى فقه الأفراد

ما المصادر التي يضمها فقه الأمة إلى الزكاة لمعالجة الفقر؟

الكفارات والتركات التي لا وارث لها وركاز الأرض والوقف

ما السبب الرئيسي الذي أدى إلى خفوت دور فقه الأمة تاريخياً؟

أزمة ثقة بين الفقهاء والحكومات على مدى قرون

ما المفاهيم الثلاثة التي يحددها فقه الأمة في معالجة الفقر؟

حد الكفاف وحد الكفاية وحد الكفاءة

ما الموقف المطلوب من المسلمين تجاه الحكومات في ظل مفهوم الدولة الحديثة؟

محاربة الفساد لا الحكومة بوصفها مؤسسة

ما تعريف فقه الأمة؟

فقه الأمة هو الفقه الذي يعالج أحكام الشريعة على مستوى المجتمع والأمة بأسرها، ويختلف عن فقه الأفراد الذي يعالج أحكام الأفراد في عباداتهم ومعاملاتهم الشخصية.

ما المصارف الثمانية للزكاة الواردة في سورة التوبة؟

الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل.

لماذا يرى فقه الأفراد أن مصرف الرقاب لا وجود له اليوم؟

لأن فقه الأفراد يفسر الرقاب بالعبيد خاصة، وبما أن الرق قد أُلغي فإن هذا المصرف لا ينطبق على أي واقع معاصر.

ما معنى أن حكم الحاكم يرفع الخلاف ظاهراً وباطناً؟

الظاهر يعني رفع الخلاف بين الناس بعضهم مع بعض، والباطن يعني رفع الخلاف ديانةً أي فيما بين الناس والله سبحانه وتعالى.

ما طرق الاختيار الفقهي الثلاثة المذكورة؟

الاختيار بالأرجح دليلاً، أو بمراعاة المصلحة، أو بالانتقاء من الفقه الإسلامي الواسع مع الاجتهاد في المسائل المستحدثة.

ما الفرق بين الدولة الحديثة والدولة التقليدية من حيث إدارة الأموال؟

الدولة الحديثة لا تتيح للأموال أن تذهب إلى خزينة الحاكم الشخصية، وتقوم على مؤسسات رقابية وفصل السلطات الثلاث، بخلاف الدولة التقليدية التي كانت الأموال فيها أقرب إلى تصرف الحاكم الشخصي.

ما معنى قول أحمد شوقي "البر عندك ذمة وفريضة لا منة ممنونة وجباء"؟

يعني أن إعطاء الزكاة والبر واجب ديني لا تفضل اختياري، وأخذها حق مفروض لا تسول، فالكل متساوون في حق الحياة.

ما مبدأ "لا سائبة في الإسلام" وكيف يرتبط بمعالجة الفقر؟

يعني أنه لا يوجد مال لا صاحب له في الإسلام، وهذا يُسوّغ ضم التركات التي لا وارث لها إلى موارد معالجة الفقر إلى جانب الزكاة.

ما المنظومة الشاملة التي يقترحها فقه الأمة لمعالجة الفقر؟

تشمل الزكاة والكفارات والتركات التي لا وارث لها وركاز الأرض والوقف، مع السعي إلى تنمية الموارد البشرية والتكافل الاجتماعي والقضاء على الجهل وإتاحة الصحة ومنع استغلال الطفولة والمرأة.

ما النسبية في الاجتهاد وكيف تتوافق مع إطلاق النص المقدس؟

النسبية في الاجتهاد تعني أن نتائج الاجتهاد جهد بشري قابل للتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، بينما النص المقدس من كتاب أو سنة صحيحة مطلق لا يقبل النسبية.

ما الحديث الذي يستند إليه فقه الأمة في رفض التفاوت الاجتماعي الحاد؟

حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به"، رواه الطبراني.

ما دور ولي الأمر في توجيه القضاء وفق المذاهب الفقهية؟

ولي الأمر يأمر القاضي بأي المذاهب يحكم، فقد يأمره بالحكم بمذهب من قبله أو بمذهب غيره أو يترك له حرية الاختيار.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!