اكتمل ✓

ما هي مراحل صياغة الفتوى في الإسلام وما دور المفتي في التشريع الإسلامي؟

تمر الفتوى في ذهن المفتي بأربع مراحل أساسية: التصوير، والتكييف، وبيان الحكم، والإصدار. والمفتي هو خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في وظيفة البيان، يدرس الواقع ثم يلتفت إلى الفقه ليأخذ منه حكم الله في الواقعة بما يحقق مقاصد الشريعة. ويختلف المفتون في أي مرحلة من هذه المراحل، وكان في اختلافهم رحمة للمسلمين.

ما هي مراحل صياغة الفتوى في الإسلام وما دور المفتي في التشريع الإسلامي؟
ما هي مراحل صياغة الفتوى في الإسلام وما دور المفتي في التشريع الإسلامي؟
4 دقائق قراءة
  • هل تعلم أن المفتي يختلف عن الفقيه وأن لكل منهما دور محدد في استنباط الأحكام الشرعية وتطبيقها على الواقع؟

  • المفتي هو خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في وظيفة البيان، وشبّهه القرافي بالترجمان عن مراد الله تعالى.

  • تمر الفتوى بأربع مراحل أساسية في ذهن المفتي: التصوير، والتكييف، وبيان الحكم، والإصدار.

  • مرحلة التصوير تستلزم مراعاة الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وعبؤها يقع أساساً على السائل مع تحري المفتي.

  • التكييف الفقهي هو إلحاق الواقعة بأبواب الفقه المناسبة، والخطأ فيه يؤدي مباشرة إلى خطأ في الفتوى.

  • اختلاف المجتهدين في مراحل صياغة الفتوى كان رحمة للمسلمين وأحد أسس ريادة التشريع الإسلامي عالمياً.

مكانة الإفتاء ووظيفة المفتي كخليفة للنبي في البيان

التأصيل الحضاري للتشريع الإسلامي: الإفتاء

اهتم علماء الإسلام بعملية الإفتاء اهتماماً عظيماً، وجعلوها في مكانة عالية لعظمة دورها، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى هذا المنصب في حياته، باعتبار التبليغ عن الله، وقد تولى هذه الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام، ثم أهل العلم بعدهم، فالمفتى خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في أداء وظيفة البيان، وشبّه «القرافي» المفتى بالترجمان عن مراد الله تعالى.

التمييز بين الاجتهاد والافتاء ودور الفقيه والمفتي

وعملية الإفتاء خطوة منفصلة من خطوات الاجتهاد، فبعد أن يحدد المجتهد الحجة، وهي القرآن الكريم وسنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، ثم يوثقها بصورة لم تتكرر في حضارة من الحضارات البشرية، ثم يفهمها ويعيها بين مفهومي الإطلاق والنسبية، يأتي دور عملية الإفتاء، ولهذا فرّق العلماء بين الفقيه والمفتي، فالأول يستنبط أحكام الله تعالى من الأدلة التفصيلية، وتلك الأحكام تحقق مقاصد الشريعة الكلية، أما الآخر فهو يدرس الواقع ثم يلتفت إلى الفقه ليأخذ منه حكم الله تعالى في مثل هذه الواقعة بما يحقق مقاصد الشريعة.

تعقيد صناعة الإفتاء والمراحل الأربع لصياغة الفتوى

وبناء على هذا التعريف، يتبين أن صناعة الإفتاء من العلوم المعقدة التي تحتاج إلى حرفية خاصة للقيام بها وإصدارها في صورة صحيحة، وتعد عملية صياغة الفتوى من أعقد العناصر في هذه الصناعة، حيث تمر الفتوى في ذهن المفتي بأربع مراحل أساسية، تخرج بعدها في صورتها التي يسمعها أو يراها المستفتي، وهذه المراحل الأربع هي: مرحلة التصوير، ومرحلة التكييف، ومرحلة بيان الحكم، ومرحلة الإصدار، وفيما يلي بيان لهذه المراحل:

مرحلة تصوير المسألة وأثرها في صحة الفتوى

المرحلة الأولى.. مرحلة التصوير:

وفيها يتم تصوير المسألة من قبل السائل الذي يريد أن يستفتى في واقعة نزلت به أو بغيره، والتصوير الصحيح المطابق للواقع شرط أساسي لصحة الفتوى ومطابقتها للواقع الفعلي المسؤول عنه، فعدم صحة التصوير يؤدي إلى أن الفتوى الصادرة ستكون لما فهم من السؤال وليس لما هو في الأمر نفسه، وعبء التصوير أساساً يقع على السائل، لكن المفتى ينبغي عليه أن يتحرى بواسطة السؤال عن الجهات الأربع التي تختلف الأحكام باختلافها، وكثيراً ما يتم الخلط والاختلاط من قبل السائل بشأنها، وهي: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، كما ينبغي على المفتي أيضاً أن يتأكد من تعلق السؤال بالأفراد أو بالأمة، لأن الفتوى تختلف باختلاف هذين الأمرين.

أنواع تصوير المسألة وصعوبة وضع الصور عند الغزالي

والتصوير قد يكون لواقعة فعلية وقد يكون الأمر مقدراً لم يقع بعد، وحينئذ لابد من مراعاة المآلات والعلاقات البينية، وبقدر ما عند المفتي من قدرة على التصوير بقدر ما تكون الفتوى أقرب لتحقيق المقاصد الشرعية وتحقيق المصلحة ودرء المفسدة.

وقد نص الغزالي في كتاب «حقيقة القولين» - كما أورده السيوطي في «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض» - على أن وضع الصور للمسائل ليس بأمر هين في نفسه، بل الذكي ربما يقدر على الفتوى في كل مسألة إذا ذكرت له صورتها، ولو كلف بوضع الصور وتصوير كل ما يمكن من التفريعات والحوادث في كل واقعة عجز عنه، ولم يخطر بقلبه تلك الصور أصلاً، وإنما ذلك من شأن المجتهدين.

مرحلة التكييف الفقهي للمسألة وأثرها في اختلاف الفتوى

المرحلة الثانية.. مرحلة التكييف:

والتكييف هو إلحاق الصورة المسؤول عنها بما يناسبها من أبواب الفقه ومسائله، فنكيف المسألة مثلاً على أنها من باب المعاملات لا العبادات، وأنها من باب العقود، وأنها من قسم مسمى منها أو من العقود الجديدة غير المسماة، وهذه مرحلة تهيئ لبيان حكم الشرع الشريف في مثل هذه الواقعة، والتكييف من عمل المفتي، ويحتاج إلى نظر دقيق، لأن الخطأ فيه يترتب عليه الخطأ في الفتوى، والتكييف قد يختلف العلماء فيه، وهذا الاختلاف أحد أسباب اختلاف الفتوى، والترجيح بين المختلفين حينئذ يرجع إلى قوة دليل أي منهم، ويرجع إلى عمق فهم الواقع، ويرجع إلى تحقيق المقاصد والمصالح ورفع الحرج، وهي الأهداف العليا للشريعة.

مرحلة بيان الحكم الشرعي وشروط المفتي العلمية والواقعية

المرحلة الثالثة.. مرحلة بيان الحكم:

والحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، ويؤخذ هذا من الكتاب والسنة بالإجماع، ويتم إظهاره أيضاً بواسطة القياس والاستدلال، ويجب على المفتى أن يكون مدركاً للكتاب والسنة ومواطن الإجماع وكيفية القياس ودلالات الألفاظ العربية وترتيب الأدلة وطرق الاستنباط، وإدراك الواقع إدراكاً صحيحاً، ويتأتى هذا بتحصيله علوم الوسائل والمقاصد كالأصول واللغة والفقه والحديث ونحوها، وبتدريبه على الإفتاء الذي ينشئ لديه ملكة راسخة في النفس يكون قادراً بها على ذلك، وكذلك تحليه بالتقوى والورع والعمل على ما ينفع الناس.

مرحلة إصدار الفتوى والتنزيل واختلاف المجتهدين وأثره الحضاري

المرحلة الرابعة.. إصدار الفتوى:

وهي ما تُسمى مرحلة التنزيل، أي إنزال هذا الحكم، الذي توصل إليه المفتي على الواقع، وحينئذ لابد عليه من التأكد أن هذا الذي سيفتي به لا يكر على المقاصد الشرعية بالبطلان، ولا يخالف نصاً مقطوعاً به ولا إجماعاً متفقاً عليه ولا قاعدة فقهية مستقرة، فإذا وجد شيئاً من هذا فعليه بمراجعة فتواه حتى تتوفر فيها تلك الشروط. هذه هي المراحل الأربع لصياغة الفتوى، وهذا عرض موجز لها لتبسيط مفهومها للقارئ، ويجب الإشارة إلى أن الاختلاف بين المجتهدين في صياغة الفتوى قد يقع في أي مرحلة من هذه المراحل، فقد يختلف المفتون في عملية التصوير، مما يترتب عليه اختلاف فتواهم في المسألة نفسها، وقد يقع الاختلاف عند التكييف أو بيان الحكم أو حتى في المرحلة الرابعة الخاصة بإصدار الفتوى، وكان في اختلافهم رحمة للمسلمين، بل إن هذا الاختلاف هو ما جعل التشريع الإسلامي إطاراً لحضارة عالمية لم تر البشرية لها مثيلاً، فهي حضارة باقية بقاء التاريخ ولديها من المنهجية والأسس المعرفية ما يؤهلها للريادة العالمية في كل زمان ومكان.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

من الذي شبّه المفتي بالترجمان عن مراد الله تعالى؟

القرافي

ما الفرق الجوهري بين الفقيه والمفتي؟

الفقيه يستنبط الأحكام من الأدلة والمفتي يُنزّل الحكم على الواقع

كم عدد المراحل الأساسية التي تمر بها الفتوى في ذهن المفتي؟

أربع مراحل

ما الجهات الأربع التي ينبغي على المفتي التحري عنها في مرحلة التصوير؟

الزمان والمكان والأشخاص والأحوال

ما التكييف الفقهي في صناعة الإفتاء؟

إلحاق الصورة المسؤول عنها بما يناسبها من أبواب الفقه

ما الذي يترتب على الخطأ في مرحلة التكييف الفقهي؟

الخطأ في الفتوى

ما الذي يُنشئ الملكة الراسخة لدى المفتي وفق ما ذكره العلماء؟

التدريب على الإفتاء مع تحصيل العلوم الشرعية والتحلي بالتقوى

ما الشرط الذي يجب على المفتي التأكد منه في مرحلة إصدار الفتوى؟

أن لا تُخل الفتوى بالمقاصد الشرعية ولا تخالف نصاً مقطوعاً به ولا إجماعاً

ما الذي نص عليه الغزالي بشأن وضع الصور للمسائل الفقهية؟

أن الذكي يقدر على الفتوى إذا ذكرت له الصورة لكنه يعجز عن وضع الصور بنفسه

ما الأثر الحضاري لاختلاف المجتهدين في صياغة الفتوى؟

كان رحمة للمسلمين وجعل التشريع الإسلامي إطاراً لحضارة عالمية

ما المرحلة التي تُسمى أيضاً مرحلة التنزيل في صياغة الفتوى؟

مرحلة الإصدار

من أين يُؤخذ الحكم الشرعي ويُظهر وفق ما ذكر في مرحلة بيان الحكم؟

من الكتاب والسنة بالإجماع ويُظهر بالقياس والاستدلال

لماذا وصف علماء الإسلام منصب الإفتاء بالمكانة العالية؟

لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتولاه بنفسه باعتبار التبليغ عن الله، ثم تولته الصحابة ثم أهل العلم، فهو خلافة نبوية في وظيفة البيان.

كيف وصف القرافي دور المفتي؟

شبّه القرافي المفتي بالترجمان عن مراد الله تعالى، مما يدل على عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه.

ما العلاقة بين الإفتاء والاجتهاد؟

الإفتاء خطوة منفصلة من خطوات الاجتهاد، تأتي بعد تحديد الحجة وتوثيقها وفهمها، وليست مرادفة للاجتهاد.

ما دور الفقيه في منظومة التشريع الإسلامي؟

الفقيه يستنبط أحكام الله تعالى من الأدلة التفصيلية، وتلك الأحكام تحقق مقاصد الشريعة الكلية.

ما دور المفتي في منظومة التشريع الإسلامي؟

المفتي يدرس الواقع أولاً ثم يلتفت إلى الفقه ليأخذ منه حكم الله في مثل تلك الواقعة بما يحقق مقاصد الشريعة.

على من يقع عبء التصوير الصحيح للمسألة أساساً؟

يقع عبء التصوير أساساً على السائل، غير أن المفتي ينبغي عليه أن يتحرى بواسطة السؤال عن الجهات الأربع التي تختلف الأحكام باختلافها.

لماذا يجب على المفتي التأكد من تعلق السؤال بالأفراد أو بالأمة؟

لأن الفتوى تختلف باختلاف هذين الأمرين، فما يُفتى به للفرد قد يختلف عما يُفتى به على مستوى الأمة.

ما أثر مراعاة المآلات في مرحلة التصوير؟

مراعاة المآلات والعلاقات البينية تجعل الفتوى أقرب لتحقيق المقاصد الشرعية وتحقيق المصلحة ودرء المفسدة.

ما الهدف من مرحلة التكييف الفقهي؟

التكييف يُهيئ لبيان حكم الشرع في الواقعة، إذ يُلحق الصورة المسؤول عنها بما يناسبها من أبواب الفقه ومسائله.

ما معايير الترجيح بين العلماء المختلفين في التكييف الفقهي؟

يرجع الترجيح إلى قوة دليل أي منهم، وإلى عمق فهم الواقع، وإلى تحقيق المقاصد والمصالح ورفع الحرج.

ما العلوم التي يجب على المفتي تحصيلها لبيان الحكم الشرعي؟

يجب عليه تحصيل علوم الوسائل والمقاصد كالأصول واللغة والفقه والحديث، إضافة إلى التدريب العملي على الإفتاء.

ما الشروط التي يجب توافرها في الفتوى قبل إصدارها؟

يجب أن لا تُخل الفتوى بالمقاصد الشرعية، ولا تخالف نصاً مقطوعاً به، ولا إجماعاً متفقاً عليه، ولا قاعدة فقهية مستقرة.

في أي مراحل صياغة الفتوى قد يقع الاختلاف بين المجتهدين؟

قد يقع الاختلاف في أي مرحلة من المراحل الأربع: التصوير أو التكييف أو بيان الحكم أو الإصدار.

كيف أسهم اختلاف المجتهدين في بناء الحضارة الإسلامية؟

جعل التشريع الإسلامي إطاراً لحضارة عالمية لم تر البشرية لها مثيلاً، حضارة باقية تمتلك من المنهجية ما يؤهلها للريادة في كل زمان ومكان.

ما الحكم الشرعي وما تعريفه الاصطلاحي؟

الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، ويُؤخذ من الكتاب والسنة بالإجماع ويُظهر بالقياس والاستدلال.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!