اكتمل ✓
الفصل 4

كيف وازنت مصر بين الشريعة الإسلامية وبناء الدولة الحديثة وما موقف التجربة المصرية من الليبرالية والتقنين القانوني؟

التجربة المصرية في بناء الدولة الحديثة لم تكن انسلاخاً عن الشريعة الإسلامية، بل كانت سعياً للمعاصرة مع الحفاظ على الهوية. منذ محمد علي باشا حتى السنهوري وقانون 1949، حرص المشرعون على ألا تتعارض القوانين مع الشريعة. ومصر دولة إسلامية لا دينية بالمعنى الثيوقراطي ولا كافرة، بل تجربة فريدة جمعت بين الليبرالية والديمقراطية والانتماء الحضاري الإسلامي.

33 دقيقة قراءة
  • هل كانت مصر تحكم بالدين أم أنها دولة كافرة، وكيف يمكن قراءة التجربة المصرية بعيداً عن التطرف في الحكم عليها؟

  • بنى محمد علي باشا الدولة العصرية الحديثة على أساس المؤسسات والدستور والفصل بين السلطات مع الإبقاء على الشريعة الإسلامية ثقافةً سائدة.

  • سعى الخديو إسماعيل إلى التقنين المصري المستقل عن المجلة العدلية العثمانية، مع الحرص على عدم الانسلاخ عن التشريع الإسلامي في أي مذهب كان.

  • وضع قدري باشا الفقيه الحنفي مجموعة 1883 القانونية بالفرنسية ثم ترجمها بنفسه، ونصت مادتها الأولى على عدم المساس بأي حق مقرر في الشريعة الإسلامية.

  • أكد السنهوري في القانون المدني المصري الصادر 1949 استيعاب ستة عشر تشريعاً عالمياً مع الشريعة، وكان هدفه النهائي اشتقاق قانون مدني عربي من الشريعة الإسلامية بعد تطويرها.

  • اعترض علماء كأبي زهرة والتيدي على بعض التقنينات دون تكفير واضعيها، مما يدل على أن النقاش كان علمياً لا تكفيرياً، والتجربة المصرية جديرة بالدراسة الوثائقية المتأنية.

طرح الأسئلة الكبرى لتشريح النموذج المصري في الدولة الحديثة

نستطيع أن نوضح النموذج المصري من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية:

  1. ما موقف التجربة المصرية من الليبرالية والديمقراطية؟

  2. وما مدى اعتمادها على السلطة الدينية، وهل مصر تحكم بالدين -كما يقول بعضهم- أو أنها دولة كافرة كما يقول آخرون؟

  3. وما مدى قبول الشعب المصري للمشروع العلماني؟

  4. وما مدى نجاح ذلك المشروع؟

  5. وما الفرق بين الدعوة إلى الحرية والدعوة إلى التغريب؟

  6. وما مفهوم الهوية والخصوصية؟

  7. وهل نحن في حاجة إليها؟

  8. وما معنى المساواة والحرية؟

  9. وما معنى الإبداع؟

  10. وهل هناك أزمة تمر بها الثقافة المصرية، ما ملامحها وما أسبابها؟

  11. وهل هي أزمة دولة أو أزمة عصر، أو أزمة شعب، وكيف الخروج منها؟

  12. وهل نحن في حاجة إلى الإصلاح؟

  13. وما برنامجنا إذا احتاجنا إليه؟

  14. وكيف نزيل الأمية الهجائية، والمهنية، والثقافية، والتكنولوجية، وهل نحن أمة في خطر؟

  15. وكيف نقضي على البطالة الصريحة والمقنعة، وكيف نشيع قيم العمل والبحث العلمي، والرغبة في أن نصبح أقوياء، وأن نشارك في بناء الحضارة الإنسانية، وأن ننفع أنفسنا والآخرين، وما الذي لا نعلمه لأولادنا، والذي نعلمه لأولادنا حتى نتوارث الأمية والبطالة في أجيال متعاقبة، على الرغم من أننا شعب زكي صاحب تاريخ وحضارة يحسدنا عليها العالم كله؟

  16. وهل هناك تجارب يمكن أن نستفيد منها، كما استفادت اليابان من تجربة محمد علي في القرن 19، كاليابان والصين، وكوريا، وسنغافوره، وماليزيا، أو كإنجلترا وأمريكا والفاتيكان، وما علاقة ذلك بالخصوصية والهوية، والإبداع العلمي والثقافي؟

  17. وما مدى معرفتنا بعلوم الإدارة الحديثة، وما مدى اطلاعنا الحقيقي على مجريات الأحداث في العالم، وأين نحن من جيراننا؟

  18. وأين نحن من بناء أدوات ثقافة المستقبل (الموسوعات، والترجمة إلى العربية ومنها، والفنون، والآداب، والتربية والتعليم والتدريب)؟

  19. وكيف نتعامل مع التراث الإسلامي، ومع التراث الإنساني؟

  20. وكيف نصوغ بعد كل ذلك نموذجنا المعرفي، وكيف يكون قادرًا بأن يتواءم مع كل عصر على أساس أن ذلك النموذج نسق مفتوح له وعليه؟

هذه بعض الأسئلة التي نريد أن نجري حولها الحوار، وكل سؤال يشتمل على كثير من المشكلات، ونحتاج فيه إلى تحرير كثير من المصطلحات التي احتلت، أو التي اختلت بإزاء مفاهيمها، ويمكن بعد ذلك أن نضع أيدينا على مواضع الخلل، إذا أردنا أن نسير في الاتجاه الصحيح، ويمكن لنا أيضًا أن يتضح لنا مدى تفوق النموذج المصري على كثير من النماذج المعاصرة في العالم الإسلامي.

محمد علي وبناء الدولة العصرية وتعريف الديمقراطية والليبرالية

اتجه محمد علي باشا إلى بناء الدولة العصرية الحديثة في مصر، وهي دولة حاولت أن تستقل عن أشخاصها بقدر الإمكان، والاستقلال بين الدولة وأشخاصها يتم عن طريق المؤسسات، ويتم عن طريق النظام، ويتم عن طريق الدستور، ويتم عن طريق التقنين، ويتم عن طريق الفصل بين السلطات، ونحو ذلك.

والديمقراطية بالأساس مبنية على المساواة بين المواطنين، وأن فكرة المواطنة وليس فكرة الرعايا هي التي تسود في دولة ما، والمساواة هنا تشمل المساواة في الحقوق وفي الواجبات، وتشمل عدم الاستثناء من القانون أو التمييز العنصري، وكلما تحقق ذلك كانت الدولة أقرب إلى تحقيق الديمقراطية.

والليبرالية تعني احترام الحريات، حرية العقيدة، حرية الانتقال، حرية العمل، الحرية السياسية، والتي هي بالأساس مبناها التعددية، ومبناها التمثيل الشعبي.

ثم بعد ذلك تأتي النظم والتنظيمات التفصيلية التي قد تختلف من بلد إلى آخر طبقا للتجربة التاريخية، وطبقا لما يمكن أن نسميه بالثقافة السائدة، والتي لا يجوز الخروج عنها إلا بقد تحقيق المصلحة، لأن الخروج عن الثقافة السائدة –خاصة في صورة طفرات- يؤدي إلى ضياع المصالح وإلى اضطرابات، أكثر ما يؤدي إلى تحقيق المصالح والمقاصد لشعب ما.

محاولة التوفيق بين بناء الدولة الحديثة والشريعة ودور الأزهر

أراد محمد علي أن يحقق ذلك بالتوازي مع البقاء على الثقافة السائدة، وعلى الشريعة الإسلامية التي هي المكون الأساسي لجمهور الشعب في مصر، فأنشأ تعليما موازيا للأزهر الشريف، ولكنه سحب السلطة من المماليك بتراثهم المعروف، ومن رجال الدين أيضا، حيث كان لرجال الدين سلطة في اتخاذ القرار، ولم يعد للأزهر سلطة في اتخاذ القرار السياسي، ولكن ظلت له سلطة علمية أدبية، وليست تنفيذية، والفرق بينهما كبير على قدر اتصاله بالرأي العام، واتصاله بوجدان الأمة، وعلى قدر الثقة فيه الناشئة من تاريخه أولا، ومن منهجه العلمي الوسطي ثانيا، ومن شموليته ثالثا، ومن احترام علمائه لأنفسهم ولأمتهم ولتراثهم رابعا، وهكذا.

ولكننا نؤكد أن السلطة والمسئولية وجهان لعملة واحدة، وما دام أن السلطة الزمنية قد رفعها محمد علي باشا من علماء الدين، فإن لا مسئولية زمنية عليهم، وما دام الشعب والرأي العام قد أولى الأزهر سلطة أدبية، فإنه يكون مسئولاً أدبيا أيضا أمام الرأي العام على قدر ما أولاه من سلطة من هذا النوع.

ومن المفيد هنا أن ننقل بضعة صفحات من كتاب المحاماة لفتحي بك زغلول بنصها حتى تكون وثيقة تلقي الضوء على أساس كلامنا، من أن البلاد لم تنسلخ من الإسلام، ولكنها حاولت أن تعيش العصر بغض النظر عن اتفاقنا مع التجربة أو اختلافنا معها، إلا أنه بالجملة كان اجتهادا شريف القصد للمخطئ أجر، وللمصيب أجران.

وثيقة فتحي زغلول عن القوانين والإدارة في عهد محمد علي باشا

قال في [صفحة 202 من كتابه المحاماة المطبوع سنة 1900 بمطبعة المعارف بمصر]:

«جاء محمد علي باشا إلى مصر سنة 1216 هجرية الموافقة لسنة 1799 مسيحية وكانت مصر في قبضة المماليك الذين تمردوا على الدولة العثمانية وعاثوا الفساد في أرض مصر كلها وساموا أهلها ضروب الحيف والاعتساف، فلم يمض أربع سنوات حتى تغلب محمد علي باشا على المردة وولاه الباب العالي واليا على مصر سنة 1220 هجرية [9 يوليه سنة 1805] وأول أمر التفت إليه تمكين دعائم سلطته وقطع دابر مزاحميه، فعزل أعوانهم وولى أنصاره مكانهم وكلهم من الأغوات والسناجق رؤساء الفرق العسكرية وحلت حكومتهم ثم جعل يفكر في نظام البلاد واستعمارها وما كان للبلد قانون ولا نظام كما أن الإدارة كانت تنتقل من يد مغتصب إلى يد متغلب ولا حاكم إلا المرهفات. وقد رأى محمد علي باشا إن البلد زراعية فلا تقوم لها قائمة إلا بالزراعة وكانت مهملة يهرب منها الأهالي ولا يشتغل بها الكبراء فوجه همته إلى تحسينها وعمل على توسيع نطاقها كما اعتنى بالمتاجرة في حاصلاتها وتأسيس المعامل والمصانع في جميع الجهات. وكان يجري في تنظيماته وتأسيساته على حسب ما يعن له ويشير عليه به رجاله الذين كانت له ثقة بهم فجعل يصدر الأوامر المتفرقة في الشؤون المختلفة وينسخ هذا بذاك طوعا لحكم الضرورة وأخذا بالأصلح للغرض الذي توخاه إلى سنة 1245 ففيها وضع قانونا عاما لضبط أحوال الزراعة سماه [قانون الفلاح] ونشر في شعبان من السنة المذكورة. ومحصل هذا القانون بيان أحكام الاغتصاب ونقل الحدود واستعمال ماشية الغير رضاه، وسرقة الفواكه والخضر والبطيخ والغلال والدجاج والمعز والضأن والسرقة من المنازل وأحكام المهملين في الحرث والزرع والذين يتأخرون عن أشغال الترع والجسور والذين لا يدفعون المال عند طلبه أو يمتنعون عن إرسال أنفار الجهادية ومن يظلم الأهالي من المشايخ في الأموال، ومن لم يجب طلب المشد [الرسول] ومن يحمي [ممولا] لجأ إليه هربا مما عليه، والعرب الذين يسرحون ماشيتهم في أرض الغير والذين يخفون أحد الفلاحين عندهم وفيه إحالة المسائل المتعلقة بالإعراض على الشرع وأحكام من يكسر السواقي ومن يحرق الأجران ومن يكذب على الحكام، والشيخ الذي يهرب من بلده عند قدوم الحاكم إليها، ومن يضرب الحكام والحاكم الذي يضرب الناس زيادة عن القدر المحدود وعقوبة أهالي البلاد التي تنوه إلى العصيان، وأحكام مشايخ البلاد الذين يغتصبون العذارى ومن يذبح إناث الحيوانات أو ذكورها قبل أن تبلغ الثالثة من عمرها، ومن يختص نفسه من المشايخ بالجيد من الأطيان ومن يخفي اللصوص عنده وهكذا وهكذا. وأما العقوبات، فالضرب بالكرباج من عشر إلى خمسمائة والنفي إلى فيزاوغلي والليمان والقتل، وكانت العقوبة تقع على فاعل الجرم وعلى شيخه أحيانا، وعليهما وعلى القائم مقام أحيانا. وفي شهر ربيع آخر سنة 1253 صد قانون [السياسة الملكية] وهو قانون السياسة نامة الذي سبق لنا ذكره وهو يتعلق بالموظفين على الخصوص وبيان واجباتهم وعقوبة من يخل بها منهم. وفي شهر الحجة سنة 1258 نشر (قانون عمليات الجسور) وهو يتعلق بوظائف المهندسين والأعمال المتعلقة بالترع والجسور والخراج وأنفار السخرة وغير ذلك وأهم ما في هذا القانون منع المديرين عن التداخل في أعمال الري والاقتصار على مساعدة المهندسين فيما يطلبونه منهم من الأنفار والمهمات. وفي ربيع آخر سنة 1260 نشر قانون يسمى (سياسة اللائحة) وفيه أحكام من يتأخر في إنجاز أعماله وعقوبة المصالح التي تتأخر عن إجابة غيرها فيما طلبته منها والحكام الذين لا يفصلون في الدعاوى المختصين هم بنظرها وكله على التقريب خاص بالموظفين وواجباتهم. ويتلو هذه القوانين أحكام جمة كانت تصدرها (الجمعية الحقانية) والمجلس الخصوصي وديوان المالية تحت اسم (بنود) في أحوال مختلفة وكلها نشرت بين سنتي 1259 و1260. هذا عدا اللوائح والقوانين المختصة بالمجالس والدواوين مما مر ذكره ولما كثرت القوانين وتعددت (البنود) وأصبح الإلمام بها متعسرا عمدت الحكمة إلى توحيدها وجمع شتاتها فانتزعت منها قانونا عاما أطلق عليه اسم (قانون المنتخبات) إشارة إلى أصوله التي أخذ منها وأسند كل قسم منه إلى القانون المأخوذ عنه، وقانون المنتخبات منشور بأكمله في الملحقات لأنه أحسن مصدر يؤثر عنه تاريخ البلاد في ذلك الحين، ودرجة احترام الحقوق وما كانت عليه الأمة من المدنية أو الهمجية وما كانت الحكومة تعالج به أمراض زمانها وتسد به حاجة الوقت الذي وجدت فيه. وكانت الدولة العلية سنت في 26 شعبان سنة 1255 قانونا عاما اسمه (قانون نامه السلطاني) صدر به (خط همايوني شريف) مؤسسا على ثلاث قواعد سميت ثلاث مواد وهي مادة الأمن على النفس، ومادة الأمن على المال، ومادة الأمن على العرض، ونشر ذلك القانون إلى جميع الإيالات والولايات والأقاليم. ولما كانت مصر صاحبة نوع من الاستقلال وإن لم تخرج عن الأحكام العامة التي كانت تصدر من سلاطين آل عثمان جعل لها نظام مخصوص تقررت فيه أنواع العقوبات وهو القانون المعروف أمام المجالس الملغاة باسم (القانون الهمايوني). ولهذا القانون ذيل هو الذي يرد ذكره كثيرا في أحكام تلك الأيام ومحرراتها يشتمل على بيان أوصاف الموظفين وأعمال مأموري الضبطيات وحكام الشرع الشريف واختصاصات مجالسه ونظام الزراعة واختصاص المديرين وموظفي الأقاليم ونظام الأوقاف ونظام الأبنية وغير ذلك، وقد اكتفينا بنشر القانون الهمايوني أما الذيل فهو طويل لا يحتمله حجم هذا الكتاب، وهو من نشور في قاموس الإدارة والقضاء لمؤلفه حضرة فيليب أفندي جلاد تحت كلمة (تركيا مصر) غير أن التاريخ الذي سقناه عن القضاء في مصر يبين لنا أن الحكومة المصرية لم تجر على هذا القانون من يوم صدوره، ولكنها اتخذته أساسا يركن إليه وجعلت تسن هي ما عن لها من اللوائح والقوانين والنصوص التي اقتضتها المصلحة الموكولة إليها مما شرحناه من قبل. ومن سنة 1271 صار القانون الهمايوني دستورا مرعي الأجزاء وزاد اعتباره من يوم تشكيل المجالس الملغاة في آخر سنة 1279 فإن أحكامها كانت تصدر بالتطبيق إليه. والذي يستوقف الفكر من مطالعة هذه القوانين خلوها من ذكر المسائل المدنية إلا ما جاء بطريق العرض وكلها ترجع إلى العقوبات والتأديب، والأمور العامة كالطرق والجسور والترع والفابريقات (المعامل) والمحور الذي تدور عليه واحد هو تأييد سلطة الحكومة وتمكين أوامرها في القلوب. وعلة ذلك ما ألم بالبلد من الفوضى وما انتابها من الجوائح التي ألحقت الفقر بأهلها وأبعدت عنهم وسائل التربية والتعليم فصاروا همجا وصار الحاكم لا يفكر في حكمهم بنير القهر والإجبار، وسن مثل تلك القوانين التي ما كانت تعرف للحصول على طاعة الناس سبيلا غير إيلام الأجسام بالكرباج لا فرق في ذلك بين صغير وكبير وحاكم ومحكوم. كذلك نلاحظ أن الحاكم الذي كان موكلا في توقيع العقوبات على أهلها كان غير معين في الأوامر والقوانين إلا نادرا ولهذا صار كل حاكم يعتبر نفسه منفذا للقوانين صادعا بأمرها يضرب الناس ولا خوف عليه ولا رقيب، وكانت الأطيان تعتبر ملكا خاصا للحكومة تهبها من تشاء وتمنعها من تشاء إلى سنة 1274 صدرت تلك اللائحة الشهيرة المسماة (لائحة الأطيان) أو (اللائحة السعيدية) أو (لائحة الأطيان السعيدية) وهي حاضرة في خاطر كل مشتغل بالقانون وستبقى حاضرة أيضا في الأذهان زمنا مديدا» انتهى كلام فتحي بك زغلول.

عصر إسماعيل ومحاولات التقنين مع عدم الانسلاخ عن الشريعة

وفي عصر إسماعيل باشا أراد أن يكمل ما بدأه جده محمد علي باشا في بناء الدولة الحديثة، فأنشأ البرلمان، ودعا إلى الفصل بين السلطات الثلاث، وأقر نظام الانتخاب، وبنى الهياكل الأساسية الحديثة، واستمر في عمليات الاستقلال، وسعى إلى وضع نظام للتقنين المصري.

وعلينا أن نتذكر دائما الفرق بين الاستفادة من النظم القضائية الفرنسية أو غيرها، وبين عملية التقنين التي كانت دائما حريصة على ألا تنسلخ عن التشريع الإسلامي على أي مذهب كان، كما سنرى ذلك تفصيلا مع مقارنات مخلوف المنياوي التشريعية.

ولأن الخديو إسماعيل كان حريصا على البعد عن الدولة العثمانية التي قننت الشريعة الإسلامية في صورة المجلة العدلية، الصادرة سنة 1290هـ، على المذهب الحنفي، فقد فكر في عدة احتمالات، وكلها لا يريد أن يخرج بها عن الشرع الإسلامي، بل يريد أن يوجد صيغة جديدة يستطيع فيها المسلم أن يضع قدمه في نطاق العالم الحديث.

فكر أن يترجم كود نابليون أول، وكود نابليون ثاني، وأمر رفاعة رافع الطهطاوي أن يفعل ذلك نقلا عن الفرنسية إلى العربية، ولقد تم ذلك، وطبع هذا العمل في مجلدين في المطبعة الأميرية في أواخر القرن التاسع عشر لكنه لم يطبق كقانون في مصر.

مقارنات مخلوف المنياوي وتقنينات محمد قدري باشا الحنفية

وكان حريصًا على إيجاد علاقة بين القانون الفرنسي المأخوذ أساسًا من تشريعات لويس، والتي قيل إنها تأثرت بالفقه المالكي عبر الأندلس، فأمر الشيخ مخلوف المنياوي مفتي الصعيد أن يراجع ما ترجمه رفاعة -رحم الله الجميع- فكتب تقريرا واسعا استفاض فيه حتى صار كتابًا طبع الآن في مجلدين بمصر، تحت عنوان (المقارنات التشريعية) قارن فيه بين القانون الفرنسي، وما يعرفه من الشريعة الإسلامية، ووجد مقاربة بينه وبين الفقه المالكي على وجه الخصوص، ووجد مخالفات قليلة، إلا أن هذا العمل لم يلتفت إليه، وظل حبيسًا بدار الكتب المصرية إلى أن نشره الأستاذ الدكتور محمد سراج عبد الهادي، وشاركه على استحياء كاتب هذا البحث.

وهذا العمل يدل على حرص القيادة السياسية -حينئذ- على عدم الانسلاخ عن الشريعة بالكلية، ولكنها تريد أن تعيش العصر، وأن تجعل بلادها تجد لنفسها موطئ قدم في العالم، وهذا أمر محمود في ذاته، ألا ننسلخ عن أنفسنا وهويتنا، وفي نفس الوقت ألا ننعزل عن عصرنا ومن حولنا أخطأنا أو أصبنا، فلنا أجر إن شاء الله.

ولما سمع محمد قدري باشا الذي تولى وزارة الحقانية (العدل) عن نية الخديو إسماعيل هذه، وعن رغبته الشديدة في الاستقلال عن الدولة العثمانية بمجلتها العدلية، سارع فوضع تقنينا على مذهب الحنفية يوازي المجلة العدلية، ويستفيد منها، وإن كان مختلفا بعض الشيء عنها، وظهر هذا في كتابه الكبير (الأحوال الشخصية) في أربع مجلدات، وفي كتابه (دليل الحيران في معرفة أحوال الإنسان) وفي كتابه (العدل والإنصاف في أحكام الأوقاف) والتي لم ينفذ منها شيء أيضا، ولكنها دالة في نفسها على مراد القيادة من عدم الانسلاخ عن الشريعة الغراء، وهذه الكتب أخرجناها أيضًا وكلها في دار السلام بمصر.

كتابة مجموعة 1883 القانونية وتمييزها عن القانون الفرنسي

وترأس قدري باشا لجانًا بعد رحيل الخديو إسماعيل، والذي لم يقدر له أن يرى كل ذلك المجهود أمامه، وإن كان سببًا في وجوده لوضع القوانين المصرية. قدري باشا العالم الحنفي القدير كتب القانون المصري بنفسه باللغة الفرنسية، ثم ترجمه إلى العربية، فظن كثير من الناس أن مصر قد طبقت القانون الفرنسية، ولم يحدث ذلك أبدًا، وإن أخذت مصر بالتوجه اللاتيني في صياغة هذه القوانين، أو في النظام القضائي إلا أنها لم تطبق القانون الفرنسي بذاته كما هو شائع بين كثير من الأقلام.

وفكرة الكتابة بالفرنسية، ثم الترجمة إلى العربية من شخص واحد، فكرة ترجع إلى ما نوهنا إليه مرات، وهي المعاصرة التي تقتضي توحيد المصطلحات مع عدم الانسلاخ عن الهوية، ولذلك لم يتم التقليد المحض التام، وإن كان قد تم نوع من أنواع الاقتباس للمسائل والصياغات والموضوعات من الآخر.

وصدرت هذه المجموعة سنة 1883م ونصت في مادتها الأولى أنها لا تنفي أي حق مقرر في الشريعة الإسلامية، وظل هذا البند موجودًا حتى سنة 1908م حيث روجعت القوانين مرة أخرى، ورؤي -طبقا لمحاضر الجلسات والمناقشات- رفع هذه العبارة المتعلقة بالشريعة، حيث إنه قد مضى ربع قرن من غير اعتراض أحد على أي مادة في هذا القانون.

تمصير القوانين وجهود السنهوري وأبو علم في القانونين المدني والجنائي

وبالرغم مما نقول من هذه الإرادة التي نشير إليها في توصيفنا للتجربة المصرية، إلا أنه واكبتها دعوة مستمرة لتمصير القوانين، وكلمة (تمصير القوانين) كلمة اتسقت مع ليبرالية الدولة وديمقراطيتها، وفي نفس الوقت هي تشير إلى ما تم بعد ذلك فعلاً على مستوى الدستور والقانون والنظام القضائي.

وبدأت حركة التمصير مع عبد الرزاق السنهوري باشا، الذي وضع القانون المدني المصري، ومع صبري أبو علم الذي وضع القانون الجنائي المصري، وهي المجموعات التي انتهوا منها وصدرت وعمل بها من سنة 1949م وحتى يومنا هذا، بعض النظر على التعديلات الجزئية.

أما السنهوري باشا فقد شرح القانون المدني في كتاب ماتع مطول أسماه (الوسيط) صدر في عشرة أجزاء، بين فيه مأخذ كل مادة من الشريعة الإسلامية، أو في صياغتها، أو في موضوعها، من ستة عشر تشريعا مختلفا، من التشريع الهندي، والبلجكي، والإيطالي، والفرنسي... إلى آخر ذلك. وهو ما يدل دلالة واضحة -بل أكاد أن أقول دلالة قطعية- على ذلك التوجه الذي أراده هؤلاء الآباء من عدم الانسلاخ من الشريعة ومن وضع أقدامنا في موطئ قدم في الخريطة العالمية.

تصور السنهوري لموقع القانون المدني بين الثقافة الغربية والشريعة الإسلامية

يقول السنهوري باشا [في مقاله القانون المدني العربي، مجلة القضاء (نقابة المحامين في العراق) العددان 1،2 سبتمبر، عام 1962]: (يمكن القول في طمأنينة: أن القانون المصري الجديد (المدني) يمثل الثقافة المدنية الغربية أصدق تمثيل. يمثلها في أحدث صورة من صورها) ويقول في موضع آخر (استخلاص ما وصلت إليه الثقافة المدنية الغربية في آخر تطوراتها، وهذا ما تحقق بالقانون المدني المصري)

ولذلك نرى السنهوري باشا نفسه وهو يضع التشريع العراقي، ثم يضع التشريع الأردني ينحو بهما أكثر إلى الشريعة الإسلامية بصورتها الموروثة، وكانت فكرة السنهوري باشا هي أن كتب الشريعة ليست صالحة لصياغة جديدة حديثة معاصرة، ولم يكن ذلك اعتراضا على الشريعة، بل هو اعتراض على أسلوب كتابتها، وكان يريد تطوير القانون المدني، ونفذ ذلك في العراقي والأردني، بعد أن حرم لأسباب عن فعل ذلك في مصر.

وتوجهه هذا لاقى معارضة شديدة من كثير من علماء الأزهر الشريف، خاصة أصحاب الدراسات القانونية في السربون، ولعل أعظمهم هو عبد الله حسين التيدي الذي ألف كتابًا تحت عنوان (المقارنات التشريعية) في أربع مجلدات أصدرناه أيضا من دار السلام، لتتم هذه المجموعة لدراسة التجربة المصرية، وهو يعارض منهج السنهوري باشا، ويرد عليه، لكن أبدًا لم يكفره، بل اعتبره متبنيًا لنموذج معرفي آخر، مع بقاء نموذجنا المعرفي قادرا على العطاء، ومن الغريب أن لجنة مراجعة مشروع السنهوري باشا، والذي صار بعد ذلك هو القانون المدني المصري لم يكن فيها أحد من أولئك المعارضين.

الدعوة لإعادة قراءة التجربة المصرية كبحث عن المعاصرة لا الانسلاخ

ولقد طبع ذلك الكتاب قبل صدور القانون بأكثر من سنة في مطبعة عيسى البابا الحلبي، ثم سكت عنه في سائر الدراسات بعد ذلك ونذر، حتى أنه لا يعرف كثير من باعة الكتب والمتخصصين، ويبدو أن التجربة المصرية على كثره مع كتب حولها لم تستوف حقها إلى الآن خاصة من ذلك المدخل الذي نؤكد عليه، وهو أن غرض هذا التجربة في الأساس لم يكن الانسلاخ من الهوية، بقدر ما كان سعيا للمعاصرة، وكما يقول أهل مصر اللهم اجعل كلامنا خفيفًا عليهم.

والدكتور السنهوري حالة يجب دراستها جيدا من خلال رسالته الدكتوراه التي تقدم بها إلى السربون، والتي دعا فيها إلى البديل الفعلي للخلافة الإسلامية، ومن خلال مذكراته المنشورة، وكتابه الماتع (مصادر الحق) في ستة أجزاء، والذي ذهب فيه على سبيل الاجتهاد إلى التفرقة بين الربا والفائدة، باعتبار أن الربا هو ربا الجاهلية الأضعاف المضاعفة، وأن الفائدة وكأنها مقابل تدوير رأس المال، الذي هو أحد عناصر الإنتاج الأربعة (الأرض-التنظيم-العمل-رأس المال) وهو كلام قد نجده في أدبيات توماس الإكويني في التفرقة بين interest و usury

مشروع عصبة الأمم الشرقية والمنظمات الدينية والسياسية عند السنهوري

وعلى سعيد العلاقات الدولية طرح الدكتور عبد الرازق السنهوري فكرة "عصبة الأمم الشرقية"؛ إذ اقترح إنشاء منظمة دولية تكون أداة للتقارب بين الدول الإسلامية المستقلة تعمل على تنمية الروابط بين شعوبها، وتتولى تقديم المساعدة للشعوب التي تطالب باستقلالها وترغب في المحافظة على علاقاتها التاريخية والعقدية والثقافية مع الأقطار الإسلامية المستقلة.

وتمحورت فكرة السنهوري في إنشاء منظمتين: إحداهما تكون دينية، وتهدف إلى تشجيع الحركة العلمية للنهوض بالشريعة الإسلامية باعتبارها أساس وحدة الأمة، وتجمع الثانية الدول الإسلامية وتكون أداة للتعاون فيما بينها.

وعودة إلى دوره في صياغة القانون العصري للدولة الحديث في مصر يقول الدكتور السنهوري في (إننا إذا اقتصرنا على تقليد هذه القوانين، على اعتبار أن هذه هي الغاية من تطور الفقه الإسلامي، لا نكون قد صنعنا شيئًا، ويكون الأولى أن نقتبس مباشرة من القوانين الغربية... الواجب أن تدرس الشريعة الإسلامية دراسة علمية دقيقة وفقا لأصول صناعتها، ولا يجوز أن نخرج على هذه الأصول بدعوى أن التطور يقتضي هذا الخروج)

وقال: (والذي نبغيه من دراسة الفقه الإسلامي، وفقا لأصول صناعته، حتى نشتق منه قانونا حديثا يصلح للعصر الذي نحن فيه... القانون النهائي الدائم لكل من مصر والعراق، بل ولجميع البلاد العربية، إنما هو القانون المدني العربي الذي نشتقه من الشريعة الإسلامية بعد تطورها). [القانون المدني العربي، مجلة القضاء (نقابة المحامين في العراق) العددان 1،2 سبتمبر، عام 1962].

دستور 1923 وتطور النص الدستوري على الشريعة ومفهوم الثقافة السائدة

ويتبين من هذا مشروعه الفكري الذي كان يأمله وحققه بهذه الطريقة حيث شارك في وضع التشريع العراقي، والتشريع الأردني، ولقد وضع المصريون دستور سنة 1923م، ولقد وضع بلجنة اشترك فيها علامة زمانه الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية، بعد أن ترك منصب الإفتاء في سنة 1920م، والشيخ محمد بخيت المطيعي علم من أعلام القرن العشرين في علمه واتساع أفقه واجتهاداته التي ملأت الآفاق، ويصف كثير من المحللين دستور 1923 بأنه أشد ليبرالية مما تلاه من الدساتير، وظلت الدساتير المصرية تأخذ في الاقتراب من الشريعة على النهج الكامل في نفسية السنهوري باشا وتلامذته حتى الدستور الأخير الذي نص على أن مصر بلد إسلامي، وأن التشريع الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع، مع بقاء ليبرالية الدولة وديمقراطيتها، واختلط على كثير من الناس أن هناك سلطة دينية في البلاد، والأمر غير ذلك، السلطة الدينية تتمثل في الأغلبية الكبيرة للمسلمين، وهم متدينيون بطبعهم وتاريخهم وواقعهم، مما يحدث إشكالية فريدة أمام النظام الليبرالي والديمقراطي في العالم، بل إن كثيرا من كهنة الديمقراطية لا يعرفون المعنى الدقيق لكلمة الثقافة السائدة التي نراها في المجتمع الألماني المعاصر، ويرونها مسألة ذات مفهوم هلامي أو غامض على الأقل.

استمرار الانتماء للحضارة الإسلامية وقضية الفائدة والحدود وعصر الشبهة

ولكن التجربة المصرية تضع هذه المسألة على محك التجربة والفكر البشري، ومعنى هذا أن بتطبيق قواعد الليبرالية والديمقراطية وعدم التخلي عنها وصلنا إلى ذلك الدستور، ووصلنا أيضا إلى محكمة دستورية تراقب القانون طبقا للشريعة الإسلامية، وقام المنظرون ليفرقوا بين الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية، وأن شعب مصر بكل طوائفه وأديانه مندرج تحت هذه الحضارة ولا يريد أن يخرج عنها، ولذلك نرى الدعوة إلى العودة إلى اللغة القبطية لا تؤيد حتى من قبل أقباط مصر، ونرى الدعوى أيضا لما أثير من كتابة اللغة العربية بالحروف الأجنبية الإفرنجية في العشرينيات لا تلقى قبولا وتموت مع الدعاوي التي ظهرت وماتت، ونرى أيضا أن الدعوة إلى استعمال العامية مع مستر كوكس في أواخر القرن التاسع عشر، والذي تتبعتها الدكتور نفوسة زكريا في كتابها الماتع (عن تاريخ الدعوة إلى العامية في مصر) والمطبوع بدار المعارف بالإسكندرية حيث بينت فيه قيام هذه الدعوة وسقوطها.

وإذا كان السنهوري باشا وهو ينص على الفائدة في القانون المدني، ويحددها بنسبة بسيطة ولا يقر الربا، ويفرق هذا الفرق بين الفائدة والربا كما فصله في مصادر الحق، فإنه يحاول أن يجعل القانون المدني كله خاليا عن شائبة الانسلاخ عن الشريعة، وبالمثل فإن المناقشات التي حدثت في أواخر القرن التاسع عشر حول القانون الجنائي، وأنه يخلو من مسألة إقامة الحدود أثيرت فيها قضية مفهوم عصر الشبهة، وهو أننا نتمثل إلى الشريعة حينما نسكت عن قضية الحدود من غير إنكار لها، بل نقر أن الله سبحانه وتعالى جعل حدود بإزاء تلك الجرائم الحدية كالسرقة والزنا والقتل ونحوها، إلا أن هذه الجرائم تندرج تحت قاعدة عامة شرعية، وهي قوله صلى الله عليه وسلم:

(ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) [رواه الترمذي]،

ويؤخذ منه القاعدة المشهورة (ادرءوا الحدود بالشبهات) وأن عصرنا الذي نعيش فيه مع اتساعه وتغير ذمم الناس، وفقد شروط الشهادة الواردة في كتب الفقهاء جعله عصر شبهة، مما يناسبه السكوت عن الحدود في القوانين، وهذا يماثل ما فعله عمر بن الخطاب عندما أوقف الحدود في عام الرمادة، ولم يكن ذلك إنكارا له لأحقية الحد، ولا تعطيلا للشريعة، وإنما كان إشارة لتطبيق الشريعة بشروطها، ومن شروط الشريعة أن تتوافر حالة معينة إذا ما فقدت لا يطبع الحد، وهذا من عين الشريعة وليس من غيرها.

نماذج تطبيق الحدود في العصر الحديث وضرورة قراءة التجربة المصرية بهدوء

هذا الفكر سواء أكان صحيحا أم خطأ، وسواء أكان اجتهادا صائبا أم جانبه الصواب، وسواء أوافقنا عليه أم خالفناه، فإنه هو الذي حكم الآباء الواضعين للقانون الجنائي، وكانت هناك تجارب أخرى في خارج مصر تتمثل في ذكر تلك الحدود في القوانين مع إيقافها بما أسموه للظرف الدولي، وهو معنى قريب من وصف العصر بالشبهة، لكن وصف العصر بالشبهة في رأيي أدق.

وفي تجربة أخرى ذكرت الحدود في القوانين وأوقفها القضاة، وفي تجربة ثالثة ذكرت الحدود في القوانين ونفذت مع اكتنافها في تنفيذها من مشكلات، وعلى كل حال فإن كلامنا هذا يدعو الباحثين إلى قراءة التجربة المصرية، بقراءة مختلفة عما تقرأ عليه الآن.

لقد قرأت بأنها تجربة ليبرالية محضة، وقرأت بأنها ليبرالية فاشلة، وقرأت بأنها إسلامية متطرفة، وقرأت بأنها كافرة مرتدة، ويبدو أن من ذهب إلى كل ذلك قد جانبه الصواب، وقد أخطأ خطئا بليغا في حق نفسه، وفي حق مصر وتجربتها، وفي حق الشباب الذي ضلل في وسط هذا الخضم الهائل من التطرف على الجانبين.

توصيف مصر كدولة إسلامية لا دينية ولا كافرة وفرادتها

تبين من خلال ما ذكرناه في المقالات السابقة عن التجربة المصرية أن مصر دولة إسلامية، ولا يعني هذا أنها دولة دينية تسيطر فيها السلطة الدينية على القرار السياسي، ولا يعني هذا أيضا أنها دولة كافرة قد أنكرت الدين وتخلت عنه، بل إنها تجربة فريدة، استطاعت بها أن تبقي على دينها، وأن تبقي في ذات الوقت على حرية الاعتقاد المكفولة لأبنائها، واستطاعت أيضا أن تستمر في موكب التاريخ، وألا تخرج أو تنسلخ عن هويتها، وفي ذات الوقت ألا تتخلف عن العالم الذي أصبحت بموجب الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة جزءا لا يتجزأ منه، فتراها تشارك في المحافل الدولية، وتلتزم بالقوانين الدولية، وتنشئ علاقات دولية ضخمة لها فيها الريادة والقيادة، وهي تجربة يجب على المسلمين في العالم أن يدرسوها وأن يستفيدوا منها بحسب ثقافاتهم وتركيبهم المجتمعي.

برهان عدم قصد المصريين الانسلاخ عن الشريعة من خلال قدري باشا ومجموعة 1883

ونؤكد على مدخلنا لدراسة التجربة المصرية وهو أن المصريين لم يريدوا، بل ولم يفكروا في الانسلاخ من الشريعة، وأن موقفهم من البداية كان موقفا علميا عمليا يهدف إلى التطوير ومراعاة الواقع، ولا يهدف إلى الانسلاخ والخروج عن الشريعة الغراء، وبرهان ذلك:

  1. أن الذي وضع مجموعة سنة 1883م بالفرنسية ثم ترجمها إلى العربية هو نفسه قدري باشا وزير الحقانية، صاحب المجاميع الماتعة في تقنين الشريعة الإسلامية، من مرشد الحيران والذي قرره على المدارس الأميرية، وقانون العدل والإنصاف في الأوقاف، وكتاب الأحوال الشخصية في أربعة مجلدات وكتاب المقارنات التشريعية وهو دراسة مقارنة بالقانون الفرنسي، وهذه الكتب وضعها للخديو إسماعيل أثناء بحثه في كيفية استقلال مصر عن السلطان العثماني، وعدم إرادة إسماعيل باشا لتطبيق المجلة العدلية التي قننت الشريعة الإسلامية وكانت جاهزة للتطبيق حتى لا يستمر في التوغل في الارتباط بالدولة العثمانية، وهي نفس التجربة التي خاضتها الحركة الوهابية من قبل بصورة أعنف أدت إلى قيام حروب بين الدولة العثمانية وإرادة الاستقلال، وتمت أيضا بعد ذلك في الثورة العربية مع الشريف حسين، مما يؤكد أن هذه الرغبة راودت أذهان الكثيرين من غير وصف الانسلاخ من الدين الذي يسيطر على كثير من الباحثين أثناء تحليلهم لتصرفات الخديو إسماعيل ومن بعده.

  2. ويؤكد هذا المعنى أن المادة الأولى في مجموعة 1883م تنص على أنه لا تمنع أي مادة من مواد هذا القانون أي حق مقرر في الشريعة الإسلامية، وعندما رفعت هذه المادة بعد خمس وعشرين عامًا سنة 1908 ورد في المذكرة الإيضاحية، أنه خلال هذه المادة لم يدع أحدهم أنه قد حرم حقا قد قرر له بالشريعة الإسلامية من جراء هذا القانون، وأنها أصبحت كالمسلمات التي لا يحتاج إلى النص عليها، وظل ذلك حتى تم تمصير القوانين وهي العبارة التي كانت تؤكد اتجاه القوانين نحو الشريعة الإسلامية على يد السنهوري وإخوانه.

مزيد من الشواهد على توجه التشريع نحو الشريعة عبر المذكرة الإيضاحية والكتاب الذهبي

  1. الدارس لكتاب مثل كتاب «الكتاب الذهبي للمحاكم الأهلية» الذي وضعه مجموعة من رجال القانون المصريين وقدم له عبد العزيز باشا فهمي، وصدر سنة 1933م يتأكد من هذا المعنى، ففي المناقشات التي تمت في مجلس النظار يتضح أن هذه الحالة من النقل في بعض الأحيان أو في كثيرها من القوانين الفرنسية، إنما كان لغرض التطوير لا لغرض الانسلاخ في حالة من الحيرة والبحث عن القوة، وكذلك الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف، والتي تتكلم أثناء الحكم عن قضية الثبوت الشرعي وعدمه، وكأن العصر شابه ما شابه مما عكر قبول الشهادة الشرعية، وشيوع الجهل والفقر الذي يؤدي إلى إيقاف الحدود كمذهب عمر بن الخطاب كما فعل في عام الرمادة.

  2. ويزيد في تأكيد ذلك المنحنى الذي حدث بعد ذلك في تطور التشريع المصري واتجاهه دائما نحو الشريعة الإسلامية، وهو ما قدمناه فيما سبق من الكلام، والذي توج بمحاولات الدكتور صوفي أبو طالب لتقنين الشريعة الإسلامية والانتهاء في سبع مجلدات، وبلجان متخصصة من أهل الشريعة والقانون.

طبيعة اعتراض العلماء على القوانين بين وصف الابتعاد عن الشريعة ونفي التكفير

لا يعني هذا أن فترة الحيرة التي بدأت مع تشريعات 1875 في القانون المختلط وتلتها في مجموعة 1883 وما بعدها، وحتى صدور القانون المدني والمجموعة الجنائية في سنة 1947 أن هذا كان على حد الكمال أو القبول التام من كل الأطراف، بل إن اتجاها عظيما اعترض على ذلك، ورأى أنه نوع من الابتعاد عن الشريعة، وكلمة الابتعاد عن الشريعة لا تساوي كلمة الكفر، بل تساوي وصف لهذه الحيرة، والاعتراض على عدم الجرأة وبذل المجهود المناسب لتطبيق الشريعة في مبادئها وأحكامها.

فبعد ما انتهوا من مجموعة 1883 وعلى رأسهم قدري باشا العالم الحنفي الجليل عرضوها على مفتي الديار المصرية للتصديق عليها، فرفض كما يذكر عزيز خانجي في كتابه «المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية»، وكذلك ما قدمناه من اعتراض الشيخ العلامة عبد الله حسين التيدي على صنيع السنهوري باشا، ولكن لم يكن مفتي الديار حينئذ ولا الشيخ عبد الله حسين التيدي واصفا ما يحدث بالانسلاخ أو الردة أو الكفر.

مدخل الإمام محمد أبو زهرة لتحليل حركة تجديد القوانين وقانون الوصية

ويؤكد هذا المعنى الذي ذكرناه من أن واضعي القوانين المصرية كانوا ملتزمين بالإسلام لم يخرجوا عنه أبدا ولم يكفروا به، بل بذلوا ما في وسعهم على سبيل الاجتهاد على سبيل الإنكار أو الطغيان على الشريعة الغراء، رجل نثق في دينه وعلمه، وكان مثالا للعالم الشرعي المتمكن في علمه، والذي عرف على مدى حياته بأنه لم يكن يخاف في الله لومة لائم، وكان يعترض علميا على ما لا يراه مناسبا أو يرى فيه إجحافا أو خروجا عن مقتضى اجتهاده واختياره، وكان شاهدا على ما حدث في النصف الأول من القرن العشرين، وهو فضيلة الشيخ الإمام محمد أبو زهرة، حيث يقول في بحثه الماتع الذي نشره في مجلة [القانون والاقتصاد] والتي كان يصدرها أساتذة كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول [جامعة القاهرة فيما بعد] في العدد الثالث من السنة السابعة عشرة في سبتمبر سنة 1947م. وهو البحث الذي نشر فيما بعد كمستلة مستقلة تحت عنوان: [قانون الوصية والجديد فيه].

لم يكفر فيه واضعي القوانين ولم يخرج الديار المصرية من ربقة الإسلام، بل قرأ الواقع على ما هو عليه، فكتب يقول في بلاغته الآسرة:

«مقدمة:

  1. منذ سنة 1936 ورجال الفقه يدرسون، وينقبون، ويجتهدون، موازين بين نظريات الفقه المختلفة ليجددوا القانون المصري في شتى نواحيه فدراسة متسعة الأفق، متشعبة المسالك؛ لاستخراج قانون مدني يقوم على أسلم المبادئ التي أنتجها الفكر القانوني في القرون الحديثة في أوروبا، ويكون قريبا من موروث الشرق الإسلامي، ومن تلك التركة المثرية التي خلفها فقهاء المسلمين.

وكان مثل هذه الدراسة في قوانين المرافعات، والتجارة، والعقوبات، وتحقيق الجنايات، والوقف والميراث والوصايا، ولم ينل الزواج في تلك الفترة من الزمان اتجاه إلى تعديل في أحكامه، لأنه سبق تلك الحركة القانونية بتعديلات جوهرية في القانون رقم 25 لسنة 1920، والقانون رقم 56 لسنة 1923 والقانون رقم 25 لسنة 1929، ففي هذه القوانين الثلاثة تم تغيير رفيق عميق حسن في أحكام الزواج جاء تدريجيا، وكان علاجا موفقا في أكثر أحكامه لأدواء اجتماعية، لم يكن في مذهب أبي حنيفة علاج حاسم لها.

تفصيل أبي زهرة لميادين التجديد القانوني وصدور قانون الوصية سنة 1946

2- وإن تلك الحركة الميمونة الغاية قد جاءت في إبانها، إذ أن القوانين الأوروبية التي توردت على المجتمع المصري منذ أكثر من ستين سنة، قد ألبسها القضاء المصري في تلك السنين لبوسه، وأشربها روحه، واشتق من طبيعة ذلك الشعب مبادئ كانت مزيجا متناسبا من أحكام قوانين، كانت غريبة مع عادات مستمكنة في نفس الشعب وأحاسيسه، فواءم بهذه الأقضية بين روحه، وتلك القوانين ما أمكن، وألف بينهما ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فكان حقا على الفقهاء الذين يعنون بتجديد القانون المصري أن يدرسوا تلك المبادئ، وأن يضيفوا إليها ما جد في الفكر الفقهي الأوروبي، وما يمكنهم أن يستعينوا به من تراث الشرق الخالد في الفقه والشرع، وكذلك كان.

ولقد جاءت في الدنيا أحداث، ونزع الناس منازع، ونهج قادة الفكر والاجتماع والاقتصاد مناهج، فكان لابد أن يتسع القانون لها، ويفصل فيها عند تطبيقها، فإن الناس يجد لهم من الأقضية بمقدار ما يجد لهم من الأحداث كما ورد على لسان مالك رضي الله عنه.

  1. ولقد تسابق الفقهاء في إعداد المشروعات المجددة، كل في موضوعه وما تخصص لدراسته، وزخرت دار النيابة بما أنتجوا، وشغل العلماء من الثواب والشيوخ بدراسة هذا الإنتاج بقدر ما تهيئه لهم قدرهم ودراساتهم السابقة، ومن المشروعات ما تم إنجازه ودراسته، وإمضاؤه، وصار قانونا، ومنا ما لا يزال في اللجان يتناوله أعضاؤها بالفحص الممكن.

  2. ولقد كانت المشروعات التي تتصل دراستها بالفقه الإسلامي وحده، ويعتبر هو مصدرها من غير شريك، أسرعها إنجازا، وأسبقها تنميقا، فصدر من ذلك النوع من القوانين: قانون الميراث وقانون الوقف، وقانون الوصية.

والسبب في هذا السبق أن هذه القوانين الثلاثة عالجت مشاكل كان الناس يضجون بالشكوى من بعضها، وكان بعض المصلحين في الأمة يرى فسادا في بعض آخر، ورأى بعض قادة الفكر أن تبديل بعض الأحكام بغيرها أصلح، وأكثر مجاراة لروح الزمان، وملابسات الناس ومقاصدهم التي لا تتجافى عن روح الدين، والخلق القويم، لذلك عندما اتجه الفقهاء إلى الدراسة وجدوا موضع الشكوى، وكان عليهم إزالة أسبابها، وجدوا الداء واضحا بينا، وكان عليهم علاجه، ووجدوا ثروة عظيمة من الآراء الفقهية يستطيعون أن يتخيروا منها الدواء الناجح، والعلاج الحاسم، فاتجهوا إليها، وأسعفهم بما رأوه شفاء للأسقام التي بدت وحسبوه مزيلا لها، فتمت القوانين.

قانون الوصية 5. وقد توج قانون الوصية بخاتم الدولة، وصار قانونا من قوانينها بتاريخ 24 يونيه سنة 1946، وحمل رقم 71 لتلك السنة، ولقد مضت فترة طويلة تعاقبت فيها الوزارات، ومشروع ذلك القانون معد مهيأ، فقد تم إعداده وقدم لمجلس الوزراء من منذ سنة 1941، وقد قدم إلى دار النيابة، ثم استرد، وبقي مقبورا، حتى نشر مرة ثانية، وقدم في سنة 1946، وحي حياة جديدة وصار قانونا.

نقد أبي زهرة لمشروع قانون الوصية ثم شرحه له بعد إقراره

ولقد نقدنا بعض ما اشتمل عليه، وهو مشروع، وبينا خطل الأخذ ببعض أحكامه، وخطر بعض هذه الأحكام على الأسرة المصرية ، ولم ندخر وسعا في بيان ذلك، ثم بينا ما في بعض صياغة القانون من نقص، تجب ملافاته، وما في بعض أحكامه من قصور، وغيرها أكمل منها.

ولقد أخذ بقليل من ذلك النقد، وترك الكثير، وأخذ بغير الجوهري، وترك الجوهري، ولا نريد أن نردد ما قلنا في ذلك البحث، فقد قيل ما قيل في قوته، وكان البيان في زمانه، ولكن قد مضي الأمر على غير ما قلنا، بعد أن أقمنا البينات، وعلينا الآن أن نقرر ما جاء به القانون على علاته، غير مقتنعين بغير ما قررنا، وغير مبدلين ما ارتأينا من قبل، ونحن في سالف قولنا كنا نوجه الدارسين إلى ما ينبغي أن يكون، وفي هذا البيان نبين ما قد كان، ونكتفي من النقد بالإشارة بدل العبارة، وبالإلمام بدل البيان...........»

هذا جزء من البحث الماتع للشيخ، والذي يبين لنا كيف كان يتعامل علماء الشرع العارفون العالمون مع ما يحدث من تقنين، إنهم يفهمون الحقيقة ويتعاملون معها لا مع تلك الأوهام التي توهمها المتطرفون وأخذوا كلمة من هنا وهناك، وأحدثوا ثقافة مغلوطة لدى الأمة سالت منها الدماء البريئة على الأرض، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

مقدمة أبي زهرة لشرح قانون الوصية وتوضيح دور اللجنة والصياغة الفرنسية

إنه العالم الذي ينتقد، ويختلف، ويناقش كل من حوله سواء أكانوا من علماء الشرع الشريف، أو من الهيئة التشريعية أو من اللجنة التي قامت بالصياغة، ونراه بعد ذلك بنحو سنتين أو أكثر وفي يناير سنة 1950 يخرج الطبعة الثانية من كتابه شرح قانون الوصية، وينشره بمكتبة الإنجلو مصرية بالقاهرة، فيقول في افتتاحية تلك الطبعة:

«بيد أننا وجهنا عنايتنا إلى أمرين كان ما استوجب العناية بهما:

(أحدهما): توضيح عبارات في القانون كنا نظنها واضحة، ونبهنا إلى وجوب تجليتها أعضاء اللجنة التي تولت وضع القانون بالصيغة الفرنسية، فقد كان الأعضاء الكرام، وهم من الصفوة المختارة من رجال القانون يسألوننا عن عبارات غير بينة كنا نظنها بينة، فكان ذلك الاستفسار الكريم تنبيها حسنا إلى وجوب بيانها، فبيناها في هذه الطبعة.

(ثانيهما): ما يتعلق بالوصية الواجبة من ناحية استخراجها، وبيان طريق حل مسائل الميراث المشتملة عليها، فقد سلكنا في طريق الحل ما رأيناه يتفق مع نصوص القانون والمقصد منه؛ وبينا ذلك في الطبعة الأولى، واكتفينا فيها ببيان ما رأيناه الطريقة المثلى، وتركنا الموازنة بينها وبين غيرها من الطرائق؛ وأحلنا تلك الموازنة على بحث كنا كتبناه في مجلة القانون والاقتصاد بعنوان «الجديد في قانون الوصية» ولكن فضيلة الأستاذ الجليل مفتي مصر أختار في فتياه بعض الحلول التي أدحضناها في هذا البحث؛ وبعض القضاة الشرعيين اختار طريقة أخرى، وكثيرون اختاروا ما اختارنا، فحق علينا أن نبين الموضوع في هذه الطبعة، ولا نحيل على ما كتبنا في مجلة القانون والاقتصاد؛ لأنها لا يقرؤها إلا الخاصة من رجال القانون، وسنجتهد في عرض حجة المخالفين بأمانة؛ فنبين مصادرها، ثم نجلي المآخذ عليها، ولا نريد إلا الحق السائق، فلا نختار ما يعطي أحدا أكثر مما يستحق، ولا نختار ما يطفف حق أحد، بل نرجو أن يكون فيما اخترنا القسطاس المستقيم، ونضرع إلى المولى جلت قدرته وعظمت منته أن يديم علينا نعمة التوفيق، فإنه لولا فضل الله وتوفيقه ما استنار لنا سبيل، ولا اهتدينا إلى طريق، وإنه سبحانه على ما يشاء قدير، وهو نعم الموفى ونعم النصير.

ربيع الأول سنة 1369 يناير سنة 1950».

دلالة الصياغة الفرنسية وشرح معنى القوانين الوضعية في السياق المصري

ويجب علينا أن نتأمل هذه الكلمة التي يقول فيها الشيخ أبو زهرة رحمه الله تعالى: ونبهنا إلى وجوب تجليتها أعضاء اللجنة التي تولت وضع القانون بالصيغة الفرنسية، فمنذ عهد قدري باشا الفقيه الحنفي وزير الحقانية، وجرت العادة على أن تصاغ القوانين أولا باللغة الفرنسية، ثم تترجم إلى العربية، وبدون الدخول في أسباب ذلك فقد كانت كثيرة ولها ما يبررها عندهم، ولا في خطأ ذلك من صوابه، أو قبولنا له من عدمه، لكن كان الحال كذلك، وكان الشيخ يعرف هذا دون تكفير أو تفسيق.

وهذا هو السبب الذي جعلهم يسمون هذه القوانين بالقوانين الوضعية في مقابلة النصوص الفقهية الموروثة في كتب الفقه الإسلامي، وليس معنى الوضعية هنا هو الخروج عن الشريعة أو نقضها أو إبطالها أو إنكارها، ولكن معناه أن الصياغة تتم بموجب مصطلحات معينة على نسق معين، وبعض ما يرمي إليه ذلك هو أن يكون لتلك الصياغات مكانا في التشريعات العالمية؛ حيث أصبح العالم أكثر التصاقا وأكثر اتصالا.

مقدمة أحمد إبراهيم عن تاريخ قصر القضاء على الحنفية والحاجة للإصلاح

وعلى مثل هذه اللهجة نرى شيخه الشيخ أحمد بك إبراهيم وهو يتكلم في مقدمة المذكرة الإيضاحية من مشروعي قانون المواريث وقانون الوصية، وكان من بين أعضاء اللجنة التي وضعت القانون الشامل للأحوال الشخصية وما يتفرع عنها، وكذلك الأوقاف والمواريث والوصية؛ حيث يقول: «في أوائل حكم المغفور له محمد علي باشا والي مصر صدر له من الدولة العثمانية فرمان شاهاني تضمن تخصيص القضاء والإفتاء بمذهب الإمام أبي حنيفة، كما صدر له في آخر حكمه إرادة سنية تؤكد العمل بذلك الفرمان.

وجرى العمل من ذلك الحين طبقا لما تضمنه هذا الفرمان وتلك الإرادة وتقرر بشكل واضح فيما صدر من القوانين للمحاكم الشرعية.

وفي آخر القرن الماضي وأوائل القرن الحاضر اتجه أولو الأمر إلى إصلاح المحاكم الشرعية إصلاحا شاملا، كما طالبت بذلك الأمة والهيئات النيابية في أوقات مختلفة.

ومن مجموع البحوث التي أجريت بهذا الصدد تبين أن في الاقتصار على القضاء بأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة مشقة للأسباب الآتية:

أولا: كثير من المسائل الخلافية في المذهب وقع فيه اختلاف في ترجيح الأقوال، أو لم ينص فيه على ترجيح، ولذلك كان الاختلاف بين آراء القضاة وأحكامهم كثيرا.

ثانيا: كثير من الحوادث –نظرا لما لابسها من تغيير الظروف واختلاف الأحوال الاجتماعية- تدعو المصلحة إلى أن يكون الحكم فيها بالمرجوح من مذهب الحنفية أو بأحكام المذاهب الأخرى دفعا للمشقة ورفعا للحرج عن المتقاضين.

اللجنة لوضع قانون شامل للأحوال الشخصية والمواريث والوصية

ثالثا: أحكام هذه المذهب متفرقة في كتبه المختلفة بحيث لا يسهل على الجمهور الرجوع إليها، ومن الحق والعدل أن تكون الأمة على بينة من الأحكام التي تتقاضى على أساسها.

وبالرغم من أن الإصلاح بالمحاكم الشرعية قد تناول أكثر النواحي، فإنه لم يتناول قانون الموضوع إلا ابتداء من سنة 1920، ولم يتناول إلا بعض مسائل خاصة صدر بها القانون رقم 25 لسنة 1920، والقانون رقم 25 لسنة 1929.

وقد رأت وزارة العدل تحقيقا لرغبات الأمة المتكررة، ولما وعدت به الوزارة في خطاب العرش، تأليف لجنة تقوم بوضع قانون شامل للأحوال الشخصية وما يتفرع عنها وللأوقاف والمواريث والوصية تختار أحكامه من المذاهب الإسلامية وتراعى فيه عادات الأمة وتقاليدها، وما يلائم حالها ويساير رقيها الاجتماعي ويحقق ما تنطوي عليه الشريعة السمحة من يسر وخير، فرفعت إلى مجلس الوزراء مذكرة بذلك مقترحة تشكيل هذه اللجنة برئاسة حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر، وعضوية حضرة صاحب العزة وكيل الوزارة وحضرتي صاحبي الفضيلة رئيس المحكمة العليا الشرعية، ومفتي الديار المصرية وبعض الكبار من رجال القانون والقضاة وأساتذة الجامعة، وفقهاء المذاهب الأخرى، والمحامين ، ووافق المجلس على هذه المذكرة في ديسمبر سنة 1936 وباشرت اللجنة أعمالها وأتمت مشروع قانون للمواريث وآخر للوصية.

دور اللجنة الاستشارية التشريعية وتطبيق قانوني المواريث والوصية

ولما عرض هذان المشروعان على اللجنة الاستشارية التشريعية أفرغت كلا منهما في الصيغة القانونية وأنهت إلينا بكتابها رقم 848 المؤرخ 11 مارس سنة 1941 أنها راعت ألا تتجاوز مهمتها إعطاء الشكل القانوني وتوضيح المرامي وتوفير التنسيق اللازم بين الأحكام والتوفيق بينها وبين التشريعات الأخرى المنظمة للمسائل التي من نوعها فلم تناقش مبادئ الأحكام التي تضمنتها وهي مستقاة من الشريعة الإسلامية اكتفاء بالبحث الدقيق الذي قامت به لجنة الأحوال الشخصية. كذلك راعت فيما يختص بالاصطلاحات الفقهية الشرعية الواردة في هذين المشروعين بصيغة مغايرة للتسميات المألوفة في القوانين المدنية أن نبقيها على حالها تسهيلا لمهمة الباحث في كتب الفقه، فإذا أراد الرجوع صادفته العبارة ذاتها المستعملة في مواد القانون.

وستطبق هذه الأحكام على جميع المصريين مسلمين كانوا أو غير مسلمين بشأن كل المسائل أو المنازعات الخاصة بالميراث أو الوصية.

وقد أرفق بكل من أحكام المواريث وأحكام الوصية مذكرة إيضاحية تبين مرامي النصوص ومآخذه من الفقه الإسلامي.

ومن الواضح أن العمل في المنازعات المتعلقة بالمواريث والوصية سيكون طبقا لهذه الأحكام، وفي الأحوال التي لا يوجد لها حكم فيها تطبيق المحاكم القول الأرجح من مذهب أبي حنيفة طبقا للمادة (280) من لائحة المحاكم الشرعية الصادر بها القانون رقم (78) لسنة 1931.

خاتمة أحمد إبراهيم في شرحه وتوجيهه للباحثين إلى الفقه والقانون

فهذا كتاب يبين حكم انتقال ما كان يملكه الإنسان حال حياته إلى غيره بعد موته بطريق الميراث والوصية، ويشمل الكلام على التركة والحقوق والمتعلقة بها وتصرفات المريض مرض الموت – وقد تعرضت فيه لمذاهب فقهاء الشريعة مقارنا بعضها ببعض مع الاستطراد إلى ما تناولته القوانين الوضعية عندنا من موضوعاته بشرح واستيفاء فيهما الكفاية.

والله أسأل أن يجعل نفعه عميما والانتفاع به عظيما.

أحمد إبراهيم»

وهذه دعوة للباحثين القانونيين أن يقرءوا في الأحداث المتفق على حدوثها، وأن يقرءوا الواقع الذي مرت به البلاد وتعيشه قراءة أخرى تكون أكثر واقعية، ولا تقع في فخ التكفير ولا ما يؤدي إليه، فإن هذا من الأهمية بمكان حتى نرسم مستقبلا أكثر إشراقا.

وهو أيضا ينبه إلى الأهمية القصوى للحفاظ على المكتسبات التي اكتسبتها التجربة المصرية في دستورها وقوانينها ونظامها القضائي، وأنها مثال يحتذى فاق أمثلة كثيرة حاولت الذوبان في العصر مثل التجربة التركية، أو حاولت الحفاظ على الهوية بطريقة معينة مثل التجربة السودانية والإيرانية والباكستانية، أو استمرت مع الموروث مثل التجربة السعودية، وكلها تجارب يمكن الاستفادة منها إلا أن التجربة المصرية جديرة فعلا بالاهتمام وبالقراءة المتأنية الوثائقية التي ترجع إلى الوثائق مباشرة، ولم يحدث إلى الآن أن كتبت دراسة شاملة وثائقية دقيقة لهذه التجربة من هذا المدخل الذي نبهنا إليه، وهو ما نرجو أن يقوم به الباحثون في أبحاثهم العلمية الرصينة.

الدعوة لقراءة وثائقية للتجربة المصرية وتجنب الأحكام المتسرعة

وألا يقتصر الحال على توهمات قد تكون قد صدرت من الكبار، وشاعت من غير التفات إلى هذا المعنى الذي ننبه إليه، كما حدث في اعتراضات الشيخ أحمد شاكر، القاضي الشرعي، وهجومه على الحالة المصرية إلى حد يصل إلى التكفير.

يمكن أن نختلف مع ما حدث، وأن نرى أن غيره كان أفضل منه وأولى، إلا أنه لا يمكن مع ما قدمنا أن نعتبر أن النظام قد انسلخ من الإسلام أو حتى أراد ذلك، ودعوى الانسلاخ هذه يستفيد منها الأعداء كما يستفيد منها الأدعياء.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

من الذي وضع مجموعة القوانين المصرية سنة 1883 باللغة الفرنسية ثم ترجمها إلى العربية؟

محمد قدري باشا

ما الذي نصت عليه المادة الأولى من مجموعة القوانين المصرية الصادرة سنة 1883؟

عدم منع أي حق مقرر في الشريعة الإسلامية

في أي سنة رُفعت المادة المتعلقة بالشريعة الإسلامية من مجموعة 1883 ولماذا؟

1908 لأنه خلال ربع قرن لم يدّعِ أحد حرمانه من حق شرعي

ما الكتاب الذي شرح فيه السنهوري القانون المدني المصري مبيناً مصادره من ستة عشر تشريعاً؟

الوسيط

ما مفهوم عصر الشبهة الذي استند إليه المشرعون المصريون في تبرير السكوت عن الحدود في القانون الجنائي؟

أن شروط إقامة الحدود كفقد الشهادة الشرعية غير متوفرة في هذا العصر

ما الفرق بين الديمقراطية والليبرالية كما وردا في تعريف بناء الدولة الحديثة؟

الديمقراطية مبنية على المساواة بين المواطنين والليبرالية تعني احترام الحريات

ما الكتاب الذي ألّفه مخلوف المنياوي مفتي الصعيد بأمر من الخديو إسماعيل؟

المقارنات التشريعية بين القانون الفرنسي والشريعة الإسلامية

ما الهدف النهائي الذي أعلنه السنهوري للتشريع في البلاد العربية؟

اشتقاق قانون مدني عربي من الشريعة الإسلامية بعد تطورها

من وضع القانون الجنائي المصري الذي صدر وعُمل به من سنة 1949؟

صبري أبو علم

ما الفرق الذي رسمه السنهوري بين الربا والفائدة في كتابه مصادر الحق؟

الربا هو ربا الجاهلية الأضعاف المضاعفة والفائدة مقابل تدوير رأس المال

ما الوصف الدقيق لمصر من حيث طبيعة الدولة وفق التجربة المصرية؟

دولة إسلامية فريدة جمعت بين الدين وحرية الاعتقاد والمشاركة الدولية

ما الفعل التاريخي الذي استشهد به الفقهاء المصريون لتبرير إيقاف الحدود في عصر الشبهة؟

إيقاف عمر بن الخطاب للحدود في عام الرمادة

ما السلطة التي أبقاها محمد علي للأزهر الشريف بعد سحب السلطة التنفيذية منه؟

السلطة العلمية الأدبية المستمدة من التاريخ والمنهج الوسطي

في أي سنة صدر دستور مصر الذي اشترك في وضعه الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية؟

1923

ما موقف الشيخ عبد الله حسين التيدي من منهج السنهوري في القانون المدني؟

عارضه في أربعة مجلدات دون أن يكفّره بل اعتبره متبنياً لنموذج معرفي آخر

ما الأساس الذي قامت عليه الدولة العصرية التي بناها محمد علي باشا في مصر؟

قامت على المؤسسات والنظام والدستور والتقنين والفصل بين السلطات، مع الإبقاء على الشريعة الإسلامية باعتبارها الثقافة السائدة للشعب المصري.

لماذا رفض الخديو إسماعيل تطبيق المجلة العدلية العثمانية في مصر؟

لأنه كان حريصاً على الاستقلال عن الدولة العثمانية، وأراد صياغة نظام تقنيني مصري مستقل يجعل لمصر موطئ قدم في العالم الحديث دون الانسلاخ عن الشريعة.

ما النتيجة التي توصل إليها مخلوف المنياوي في مقارنته بين القانون الفرنسي والشريعة الإسلامية؟

وجد مقاربة كبيرة بين القانون الفرنسي والفقه المالكي على وجه الخصوص، مع مخالفات قليلة، مما يدل على إمكانية التوفيق بينهما.

ما عناصر الإنتاج الأربعة التي استند إليها السنهوري في تفريقه بين الربا والفائدة؟

الأرض والتنظيم والعمل ورأس المال، واعتبر الفائدة مقابلاً لتدوير رأس المال بوصفه أحد هذه العناصر.

ما فكرة عصبة الأمم الشرقية التي اقترحها السنهوري؟

منظمة دولية للتقارب بين الدول الإسلامية المستقلة، تتضمن منظمة دينية لتشجيع النهوض بالشريعة الإسلامية وأخرى سياسية للتعاون بين الدول.

ما الحديث النبوي الذي استند إليه الفقهاء في مفهوم عصر الشبهة؟

حديث 'ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة' رواه الترمذي.

ما الكتب الثلاثة الكبرى التي وضعها محمد قدري باشا في تقنين الشريعة الإسلامية؟

كتاب الأحوال الشخصية في أربعة مجلدات، وكتاب دليل الحيران في معرفة أحوال الإنسان، وكتاب العدل والإنصاف في أحكام الأوقاف.

ما الأسباب الثلاثة التي دفعت إلى الاعتراض على قصر القضاء على المذهب الحنفي في مصر؟

كثرة المسائل الخلافية داخل المذهب مما أدى لاختلاف القضاة، وحاجة بعض الحوادث للحكم بالمرجوح أو بمذاهب أخرى دفعاً للمشقة، وتفرق أحكام المذهب في كتبه مما يصعّب الرجوع إليها.

متى صدر قانون الوصية المصري وما رقمه؟

صدر بتاريخ 24 يونيه 1946 وحمل رقم 71 لتلك السنة، بعد أن ظل مشروعه معداً منذ 1941 حتى أُحيي وصار قانوناً.

ما المعنى الدقيق لمصطلح القوانين الوضعية في السياق المصري؟

يعني أن الصياغة تتم بموجب مصطلحات معينة على نسق معين لتكون لها مكانة في التشريعات العالمية، وليس معناه الخروج عن الشريعة أو نقضها أو إنكارها.

ما الثلاثة الأسباب التي استمدت منها السلطة الأدبية للأزهر قوتها؟

تاريخه العريق أولاً، ومنهجه العلمي الوسطي ثانياً، وشموليته ثالثاً، إضافة إلى احترام علمائه لأنفسهم ولأمتهم ولتراثهم.

ما الدول التي وضع السنهوري تشريعاتها المدنية ونحا بها أكثر نحو الشريعة الإسلامية؟

العراق والأردن، إذ نحا بتشريعيهما أكثر نحو الشريعة الإسلامية بصورتها الموروثة بعد أن حُرم من فعل ذلك في مصر.

ما الذي أمر به الخديو إسماعيل رفاعة رافع الطهطاوي وما نتيجته؟

أمره بترجمة كود نابليون الأول والثاني من الفرنسية إلى العربية، وتم ذلك وطُبع في مجلدين في المطبعة الأميرية، لكنه لم يُطبَّق قانوناً في مصر.

ما الذي يميز التجربة المصرية عن التجربة التركية في نظر المحللين؟

التجربة التركية حاولت الذوبان في العصر، بينما التجربة المصرية حافظت على هويتها الإسلامية مع المشاركة في موكب التاريخ والمحافل الدولية.

ما الذي يدل على أن اعتراض العلماء على التقنينات المصرية لم يكن تكفيراً؟

لم يصف مفتي الديار المصرية حين رفض التصديق على مجموعة 1883، ولا الشيخ التيدي في اعتراضه على السنهوري، ما يحدث بالانسلاخ أو الردة أو الكفر.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!