اكتمل ✓

ما معنى رحمة الأمة في اختلاف الأئمة وكيف نتعايش بين المذاهب الإسلامية دون تكفير أو تفرق؟

رحمة الأمة في اختلاف الأئمة تعني أن الخلاف الفقهي بين المذاهب المعتبرة هو مرونة وسعة لا فرقة، إذ يدور بين الرخصة والعزيمة. والأساس الذي يُمكّن المسلمين من الجلوس سوياً هو إنكار المتفق عليه فقط دون المختلف فيه، مع البحث عن المشترك وتقديم حب الله وحب الجار. أجمع نحو 155 عالماً في مؤتمر عمان 2005 على أن كل متبع لأحد المذاهب الثمانية المعتبرة مسلم لا يجوز تكفيره.

ما معنى رحمة الأمة في اختلاف الأئمة وكيف نتعايش بين المذاهب الإسلامية دون تكفير أو تفرق؟
ما معنى رحمة الأمة في اختلاف الأئمة وكيف نتعايش بين المذاهب الإسلامية دون تكفير أو تفرق؟
4 دقائق قراءة
  • كيف يمكن للمسلمين من مذاهب مختلفة أن يجلسوا سوياً دون تكفير أو تفسيق؟

  • الأساس القرآني والنبوي يدعو إلى الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق، وهو منطلق الحوار الشرعي بين المذاهب.

  • مؤتمر عمان 2005 جمع 155 عالماً من 44 دولة وأجمعوا على اعتبار أتباع المذاهب الثمانية مسلمين لا يجوز تكفيرهم.

  • قاعدة الإمام السيوطي "إنما ينكر المتفق عليه ولا ينكر المختلف فيه" هي الضابط الفقهي الأساسي للتعايش بين المذاهب.

  • رحمة الأمة في اختلاف الأئمة تعني أن الخلاف الفقهي دائر بين الرخصة والعزيمة، وهو نسق منفتح وفكر حر لا مصدر فرقة.

  • الدعوة العملية تقضي بعقد لقاءات خاصة بين الفصائل المختلفة للوصول إلى مشتركات تُعلَن للناس ببرنامج واضح.

الأساس القرآني والنبوي لعدم التفرق ووحدة الأمة الإسلامية

كيف نجلس سوياً؟

قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران:103].

وأخرج أبو داود في كتاب «الفتن والملاحم»، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله أجاركم من ثلاث خِلال ألا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً، وألا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وألا تجتمعوا على ضلالة».

  1. بعد مقالة الأسبوع الماضي بعنوان «أفيضوا مجالسكم بينكم» وهي الكلمة البليغة التي نصحنا بها سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- تلقيت الكثير من طلبات المخلصين يسألون: كيف نفيض المجالس وكيف نجلس معاً؟ ومنذ أكثر من ستة أعوام شغل علماء المسلمين هذا الأمر، واستخلصنا حينئذ ثلاثة أسئلة نجتمع حولها لتكون أساساً لهذا الاجتماع، فكانت: من هو المسلم؟ ومن له الحق في أن يتصدى للإفتاء؟ وهل يجوز التكفير لذلك المسلم؟

مؤتمر عمان 2005 واعتماد المذاهب الثمانية وتحريم التكفير

  1. واستجابة لمبادرة عرضها ملك الأردن، عبد الله الثاني، في عام ٢٠٠٥م، اجتمع نحو ١٥٥ عالماً من ٤٤ دولة في عمان في الفترة ما بين ٤ – ٦ يوليو الموافق ٢٧ – ٢٩ جمادى الأولى سنة ١٤٢٦هـ، وكان هؤلاء العلماء يمثلون المذاهب الثمانية: «الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي من أهل السنة والجماعة، والمذهب الجعفري، والزيدي من الشيعة، والمذهب الإباضي والظاهري»، ولقد شرفت بحضور ذلك المؤتمر وأرسل فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر المرحوم الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي إجابته إلى المؤتمرين، فكانت لها الصدارة في الفتوى، وصدَّر بها الأمير غازي بن محمد، الرئيس الأعلى لمؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي، ومنظم المؤتمر، كتابه تحت عنوان «احترام المذاهب»، والذي صدر في عمان بالأردن سنة ٢٠٠٦م، جمع فيه فتاوى أولئك العلماء، وأجمعوا على أن كل من يتبع أحد هذه المذاهب فهو مسلم، لا يجوز تكفيره، ويحرم دمه وعرضه وماله. ووفقاً لما جاء في فتوى شيخ الأزهر وغيرها، لا يجوز تكفير أصحاب العقيدة الأشعرية، ومن يمارس التصوف الحقيقي، ولا أصحاب الفكر السلفي الصحيح، كما لا يجوز تكفير أي فئة أخرى من المسلمين تؤمن بالله وبرسوله -صلى الله عليه وسلم- وأركان الإيمان، وتحترم أركان الإسلام ولا تنكر المعلوم عن الدين بالضرورة.

تأكيد قرارات مؤتمر عمان في المؤتمرات الإسلامية اللاحقة

  1. وجرت إعادة التأكيد على هذا المضمون في المنتدى التحضيري للعلماء والمفكرين بالدورة الثالثة لمؤتمر القمة الإسلامي الاستثنائي الذي عقد في مكة المكرمة، في سبتمبر ٢٠٠٥م، وشرفت بحضوره، وحضره أكثر من ١٧٠ عالماً، ثم تمت المصادقة عليه مرة أخرى بالإجماع في جامعة آل البيت في الأردن في نوفمبر ٢٠٠٥م، في مؤتمر «المذاهب الإسلامية والتحديات المعاصرة».

وأخيراً، تم تبنيه في الدورة الاستثنائية الخامسة بقمة منظمة المؤتمر الإسلامي في ديسمبر ٢٠٠٥م، التي حضرها ٥٤ دولة ما بين ملك ورئيس أو مندوب عن الرئيس.

مبادرة كلمة سواء بين المسلمين والمسيحيين على أساس حب الله والجار

  1. ومنذ أكثر من ثلاث سنوات بدأنا مبادرة سميت «كلمة سواء»، بين مسلمي العالم ومسيحيي العالم، وقع عليها أكثر من ٢٠٠ عالم مسلم، مبناها حب الله وحب الجار، وهما المشترك بين المؤمنين من كل الأديان.

الأساس الفكري لإفاضة المجالس والبحث عن المشترك بين المسلمين

  1. فهذا هو الأساس الفكري المتفق عليه، والذي يمكن في إطاره أن نفيض مجالسنا دون تكفير أو تفسيق، وبقلوب تقدم حب الله وحب الجار، وآذان تستمع وتبحث عن المشترك، تتعارف حتى تتآلف، ولنعمل فيما اتفقنا عليه ونتجاوز ما اختلفنا فيه.

قاعدة إنما ينكر المتفق عليه واعتبار اختلاف الأئمة رحمة وسعة

  1. ومبنى هذا القاعدة التي قررها الإمام السيوطي في كتابه «الأشباه والنظائر الفقهية»: (إنما ينكر المتفق عليه ولا ينكر المختلف فيه)، فالمتفق عليه هو الذي أجمع عليه المسلمون ولا خلاف فيما بينهم حوله كحرمة شرب الخمر ووجوب الصلاة والزكاة وحل البيع والزواج، والمتفق عليه يعتبر هو حقيقة الإسلام، أما المختلف فيه فهو ظني، تختلف فيه أنظار المجتهدين، فإذا اخترت مذهباً من المذاهب وقلدت إماماً من الأئمة، فلا أنكر على أخي الذي قلد إماماً آخر أو مذهباً مختلفاً، وكذلك من إطار ما نذكره كلام نفيس قرره الإمام الباجوري في حاشيته الفقهية حيث قال: (من ابتلى بشيء من ذلك -يعنى المختلف فيه- فليقلد من أجاز)، وهي كلمة بليغة حكيمة عليمة تجعل من اختلاف الأئمة مرونة ورحمة وسعة، وتجعل من هذا الاختلاف نسقاً منفتحاً وفكراً حراً.

القطعي والظني في الثبوت والدلالة وحكم الخروج من الخلاف

ويؤكد الإمام الشعراني في كتابه المانع «الميزان الكبرى»، أن اختلاف الأئمة دائر بين الرخصة والعزيمة، وهو ما ذهب إليه الإمام العثماني في كتابه «رحمة الأمة في اختلاف الأئمة»، ومن هذا الإطار أيضاً ما تقرر في علم أصول الفقه أن هناك قطعياً وهناك ظنياً في كل من الثبوت والدلالة، فالقرآن والسنة المتواترة من باب قطعي الثبوت، وسنة الآحاد من باب ظني الثبوت، وهناك نصوص في كل من الكتاب والسنة لا تحتمل إلا مراداً واحداً، فهي من باب قطعي الدلالة، وهناك ما يحتمل معاني كثيرة، وهو أغلب النصوص فهو من باب ظني الدلالة حتى قالوا: «القرآن حمال أوجه»، وهناك أيضاً ما تقرر في قواعد الفقه أن «الخروج من الخلاف مستحب وليس واجباً»، وشرطه عندهم: «ألا يكر على مذهبه بالبطلان»، حيث إنه من باب الورع وليس من باب الترجيح والاختيار الفقهي.

دعوة عملية للجلوس سوياً وتوحيد الكلمة عبر لقاءات منظمة

  1. ونحن هنا من منبر «المصري اليوم» ندعو جميع الفصائل والمختلفين في وجهات النظر أو في مناهج التناول إلى الجلوس سوياً، بشرط تقديم الوعي قبل السعي، وأن تكون هذه الجلسات في بداياتها خاصة، حيث إن كثيراً من نقاط الخلاف لا تعني عموم الناس، وعند الوصول إلى المشتركات، يخرجون على الناس ببرنامج واضح واتفاق قريب، فيكون -كما قال سيدنا عمر- «أدوم لإلفتكم، وأهيب لكم في الناس»، وأنا على استعداد لعمل هذه اللقاءات في دار الإفتاء المصرية، لتقوم بواجب الوقت في توحيد الكلمة وصالح البلاد والعباد.. والله من وراء القصد.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كم عالماً شارك في مؤتمر عمان 2005 الذي أجمع على تحريم التكفير؟

155 عالماً

كم مذهباً إسلامياً اعتُبر أتباعه مسلمين لا يجوز تكفيرهم وفق قرارات مؤتمر عمان؟

ثمانية مذاهب

من قرر قاعدة «إنما ينكر المتفق عليه ولا ينكر المختلف فيه» في كتابه الفقهي؟

الإمام السيوطي

ما اسم الكتاب الذي يؤكد أن اختلاف الأئمة دائر بين الرخصة والعزيمة للإمام الشعراني؟

الميزان الكبرى

ما حكم الخروج من الخلاف الفقهي وفق قواعد الفقه الإسلامي؟

مستحب

على أي مبدأين أساسيين قامت مبادرة «كلمة سواء» بين المسلمين والمسيحيين؟

حب الله وحب الجار

ما شرط الخروج من الخلاف الفقهي وفق ما تقرر في قواعد الفقه؟

ألا يكر على مذهبه بالبطلان

كم دولة حضرت الدورة الاستثنائية الخامسة لقمة منظمة المؤتمر الإسلامي ديسمبر 2005؟

54 دولة

ما نوع ثبوت سنة الآحاد في علم أصول الفقه؟

ظني الثبوت

ما الذي يُعدّ حقيقة الإسلام وفق القاعدة الفقهية المذكورة؟

المتفق عليه بين المسلمين

ما الآية القرآنية التي تُشكّل الأساس الديني لوحدة الأمة ونبذ التفرق؟

قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) من سورة آل عمران الآية 103.

ما المذاهب الثمانية التي اعتُبر أتباعها مسلمين في مؤتمر عمان 2005؟

الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي من أهل السنة، والجعفري والزيدي من الشيعة، والإباضي والظاهري.

ما معنى قاعدة «من ابتلى بشيء من المختلف فيه فليقلد من أجاز» للإمام الباجوري؟

تعني أن من وقع في مسألة خلافية فقهية يجوز له أن يتبع مذهباً أجازها، وهذا يجعل اختلاف الأئمة رحمة وسعة لا ضيقاً.

ما الفرق بين قطعي الدلالة وظني الدلالة في النصوص الشرعية؟

قطعي الدلالة هو النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، أما ظني الدلالة فهو ما يحتمل معاني متعددة وهو أغلب النصوص.

ما اسم الكتاب الذي جمع فتاوى علماء مؤتمر عمان 2005 وصدر عام 2006؟

كتاب «احترام المذاهب» الذي أصدره الأمير غازي بن محمد في عمان بالأردن سنة 2006.

ما الثلاثة أسئلة التي اتُّخذت أساساً للحوار بين علماء المسلمين؟

من هو المسلم؟ ومن له الحق في أن يتصدى للإفتاء؟ وهل يجوز التكفير لذلك المسلم؟

لماذا يُستحب الخروج من الخلاف الفقهي وليس واجباً؟

لأنه من باب الورع والاحتياط لا من باب الترجيح والاختيار الفقهي، وشرطه ألا يكر على مذهبه بالبطلان.

ما الشرط الأساسي لإفاضة المجالس بين الفصائل الإسلامية المختلفة؟

تقديم الوعي قبل السعي، وأن تكون اللقاءات في بداياتها خاصة، ثم الخروج على الناس بمشتركات واضحة عند الوصول إليها.

ما الذي يُميّز المتفق عليه عن المختلف فيه في الفقه الإسلامي؟

المتفق عليه هو ما أجمع عليه المسلمون كحرمة الخمر ووجوب الصلاة، أما المختلف فيه فهو ظني تتباين فيه أنظار المجتهدين.

في أي مؤتمر جرت المصادقة بالإجماع على قرارات عمان في نوفمبر 2005؟

في مؤتمر «المذاهب الإسلامية والتحديات المعاصرة» المنعقد في جامعة آل البيت بالأردن.

ما كتاب الإمام العثماني الذي يتناول اختلاف الأئمة باعتباره رحمة؟

كتاب «رحمة الأمة في اختلاف الأئمة» الذي يؤكد أن الخلاف الفقهي دائر بين الرخصة والعزيمة.

ما الهدف من عقد اللقاءات الخاصة بين الفصائل الإسلامية قبل الإعلان للناس؟

لأن كثيراً من نقاط الخلاف لا تعني عموم الناس، وحتى يُتوصل إلى مشتركات يُعلَن عنها ببرنامج واضح يكون أدوم للألفة وأهيب في الناس.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!