اكتمل ✓

ما مراحل تاريخ التشريع الإسلامي وكيف أدى التقليد إلى الأزمة الفقهية المعاصرة؟

مرّ تاريخ التشريع الإسلامي بمرحلتين محوريتين: مرحلة الاجتهاد التي امتدت من أوائل القرن الثاني حتى منتصف القرن الرابع الهجري، وشهدت ازدهار الفقه ونموه، ثم مرحلة التقليد التي بدأت من منتصف القرن الرابع وأفضت إلى ركود فقهي عميق. أسهمت هذه المرحلة الأخيرة في تكوين هوة بين المسلمين وتراثهم الفقهي العظيم، وهو ما يُعدّ جوهر الأزمة الفكرية الفقهية في عصرنا الحاضر.

ما مراحل تاريخ التشريع الإسلامي وكيف أدى التقليد إلى الأزمة الفقهية المعاصرة؟
ما مراحل تاريخ التشريع الإسلامي وكيف أدى التقليد إلى الأزمة الفقهية المعاصرة؟
3 دقائق قراءة
  • هل يمكن تجاوز الأزمة الفقهية المعاصرة التي خلّفها قرون من التقليد والابتعاد عن الاجتهاد؟

  • مرّ تاريخ التشريع الإسلامي بمرحلتين كبريين: عصر الاجتهاد الممتد من القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع الهجري، وعصر التقليد الذي أعقبه.

  • ازدهر الفقه في عصر الاجتهاد بفضل اتساع الدولة الإسلامية وتنوع أعرافها وظهور كبار الفقهاء وتدوين السنة النبوية.

  • أفضى عصر التقليد إلى ركود فقهي سببه ضعف الثقة بالنفس والاكتفاء بالتراث المدوّن والخشية من ادعاء الاجتهاد بغير أهلية.

  • رغم الركود، أسهم فقهاء عصر التقليد في تعليل الأحكام وترجيح الأقوال وتنظيم فقه المذاهب وتخريج المسائل الجديدة.

  • تلوح في الأفق تباشير نهضة فقهية معاصرة تتمثل في الدراسات المقارنة والمجامع الفقهية والاجتهاد الجماعي المنضبط.

مرحلتان مركزيتان في تاريخ التشريع الإسلامي وأثرهما على الأزمة الحاضرة

التشريع الإسلامي والأزمة الحاضرة

مرّ التشريع الإسلامي في تاريخه بمراحل عدة، إلا أن أهم مرحلتين في تاريخه هما مرحلة «الاجتهاد»، ومرحلة «التقليد»، حيث إنهما معاً شكَّلتا ما نعيشه من أزمة فكرية تتعلق بالفقه في عصرنا الحاضر، متمثلة في امتلاك تراث عظيم مليء بالكنوز، تم تكوينه ورعايته في عصر الاجتهاد، ووجود هوة عميقة تفصل بيننا وبين هذا التراث والتي تم تكوينها عبر العصور، إلا أن هذا لا يعني أن عصر التقليد خال من الإيجابيات، فله مميزاته إلا أنها ضاعت في نسيج الزمن.

وبتتبع عصر الاجتهاد، نجده يبدأ من أوائل القرن الثاني الهجري، بعد انتهاء عصر الصحابة التابعين، الذي لم يشهد أي تدوين واسع للسُنَّة أو الفقه إلا محاولات قليلة، ويمتد هذا العصر إلى منتصف القرن الرابع، وفي هذا الدور نما الفقه، وازدهر، وكثرت مسائله على نحو لم يعهد مثله من قبل، وهذه الظاهرة ترجع إلى أسباب كثيرة نذكر منها:

أثر اتساع الدولة الإسلامية وتنوع الأعراف في تنمية الاجتهاد الفقهي

أولاً: اتساع البلاد الإسلامية، فقد كانت تمتد من الأندلس إلى الصين، وفي هذه البلاد الواسعة عادات وتقاليد مختلفة تجب مراعاتها، ما دامت لا تخالف نصوص الشريعة، فاختلفت الاجتهادات المبنية على الأعراف، بناء على اختلاف العادات والتقاليد.

ثانياً: ظهور المجتهدين الكبار ذوي الملكات الفقهية الراسخة، فعملوا على تنمية الفقه، وسد حاجات الدولة من التنظيمات والقوانين، وأنشأوا المدارس التي ضمت نوابغ الفقهاء.

ثالثاً: تدوين السُنة، فقد دُوِّنَت السنة، وعرف ما المقبول فيها من حيث الرواية والدراية وما المردود لوضعه أو ضعفه الشديد، فكان في ذلك تسهيل لعمل الفقهاء، وتوفير الجهد عليهم، فقد وجدوا السنة بين أيديهم، يصلون إليها دون كبير عناء، والسنة هي مادة الفقه ومصدره الثاني.

تدوين الفقه وضبط قواعده وبداية التحول إلى عصر التقليد

وفي هذه المرحلة أيضاً دُوِّن الفقه، وضُبطت قواعده، وجمعت أشتاته، وألفت الكتب في مسائله، وصار بناؤه شامخاً، وعلمه متميزاً عن غيره قائماً بنفسه.

ومن منتصف القرن الرابع، بدأ عصر التقليد، وهو العصر الذي شهد ركود الفقه، فقد جنح الفقهاء إلى التقليد، مع أن الأصل في الفقيه أن يكون مجتهداً مستقلاً، لا يتقيد بمذهب معين، وإنما يتقيد بنصوص الكتاب والسنة، وما يؤديه إليه اجتهاده المقبول، فهو يستنبط الأحكام الشرعية من مصدريها العظيمين الكتاب والسنة، وما يرشدان إليه من مصادر أخرى، إلا أنه في هذا الوقت ضعفت همم الفقهاء، واتهموا أنفسهم بالتقصير، والعجز عن اللحوق بالمجتهدين السابقين مع رسوخهم في الفقه، وتهيؤ أسبابه لديهم، ووجود مادته بين أيديهم من سنة ونحوها، مما يساعد على الوصول إليه بيسر وسهولة، وكان ذلك من أسباب شيوع التقليد بين الفقهاء إلا القليل النادر.

أسباب شيوع التقليد وضعف الثقة بالاجتهاد في المرحلة المتأخرة

ونستطيع أن نلخص أسباب ذلك، في هذه المرحلة، فيما يلي:

أولاً: أن المذاهب الإسلامية دُوِّنَت تدويناً كاملاً، مع تهذيب مسائلها، وتبويب مسائلها الواقعية، مما جعل النفوس تستروح إلى هذه الثروة الفقهية، والاستغناء بها عن البحث والاستنباط.

ثانياً: ضعف الثقة بالنفس، والتهيب من الاجتهاد، فقد اتهم الفقهاء أنفسهم بالضعف والعجز والتقصير، وظنوا أنهم غير قادرين على تلقي الأحكام من منابعها الأصلية، وأن الخير لهم، واللائق بهم التقيُّد بمذهب معروف، والدوران في فلكه، والتفقه بأصوله، وعدم الخروج عنه.

فكرة سد باب الاجتهاد وبقاء مشروعيته مع اشتراط أهليته

وفي هذا العصر، دعا بعضهم إلى سد باب الاجتهاد، لأنه لما كثرت ادعاءات الاجتهاد ممن ليسوا أهله، وخشي الفقهاء من عبث هؤلاء الأدعياء وإفسادهم دين الناس، بالفتاوى الباطلة التي لا تقوم على علم أو فقه، أفتوا بسد باب الاجتهاد دفعاً لهذا الفساد، وحفظا لدين الناس. والحق أن الاجتهاد باق في حكم الشريعة، ولا يزول، إلا أن الاجتهاد لا بد له من توافر شروطه، فمن تتوافر فيه هذه الشروط فله أن يجتهد، ومن لم يحط بها علماً فحرام عليه الإفتاء في شرع الله بغير علم.

الجهود العلمية لفقهاء عصر التقليد في خدمة المذاهب والفقه

ومع ذلك فقد قام الفقهاء في عصر التقليد هذا بأعمال نافعة، منها:

  1. تعليل الأحكام المنقولة عن أئمتهم، فليست كل الأحكام المنقولة عن الأئمة نُقِلَ تعليلها معها.

  2. استخلاص قواعد الاستنباط من فروع المذهب، للتعرف على طرق الاجتهاد التي سلكها إمام المذهب.

  3. الترجيح بين الأقوال المنقولة عن الإمام، فقد يكون الناقل لقوله ناقلاً قولاً رجع عنه، ولم يعلم برجوعه، وقد يكون بين القولين المختلفين فرق دقيق هو سبب اختلاف القولين، وقد يكون مأخذ أحد القولين قياساً والآخر استحساناً، فقام الفقهاء بترجيح هذه الأقوال في ضوء ما عرفوه من أصول المذهب وقواعده.

  4. التفريع على القواعد والتخريج على الأقوال في مسائل جديدة أو قديمة رأوا فيها رأياً آخر يناسب العصر ويحقق المصالح ويراعي المقاصد ولا يخرج عن الإجماع.

  5. تنظيم فقه المذهب، وذلك بتنظيم أحكامه، وإيضاح مجملها، وتقييد مطلقها، وشرح بعضها، والتعليق عليها، ودعمها بالأدلة، وذكر المسائل الخلافية مع المذاهب الأخرى، وتحرير أوجه الخلاف، وذكر الأدلة لدعم قول المذهب، وبيان رجحانه، ولا شك في أن هذه الأعمال خدمة كبيرة للفقه، وتوسيع له، وتوضيح لمبهمه.

تباشير النهضة الفقهية المعاصرة وشرط عودة الشريعة لسيادتها

وفي الوقت الحاضر، نشعر بتباشير نهضة فقهية، من مظاهرها: هذا الاهتمام الملحوظ بالفقه الإسلامي في أوساط التعليم الجامعي، ودراسة الفقه الإسلامي دراسة مقارنة، وإظهار مزاياه وخصائصه وكثرة التأليف في مباحثه وظهور المبرزين فيه الجامعين بين الثقافة القانونية والشرعية، وظهور المجامع الفقهية والاجتهاد الجماعي، ونحن نأمل أن يزداد هذا الاهتمام بالشريعة الإسلامية وفقهها حتى تعود إلى مكانتها الأولى، وتسترد سيادتها القانونية وتمد هي والفقهُ الإسلامي الدولةَ بالتشريعات اللازمة في جميع شؤونها، كما كان الأمر في السابق، لكن بشرط أن يكون هذا الاهتمام في الجماعة العلمية ومن خلالها، حتى يظل اهتماماً رصيناً مبتعداً عن أهواء الجهلة وأطماع الحاقدين، والله -تعالى- ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

من أي قرن هجري بدأ عصر الاجتهاد في تاريخ التشريع الإسلامي؟

أوائل القرن الثاني الهجري

ما السبب الرئيسي الذي جعل الفقهاء يدعون إلى سد باب الاجتهاد؟

كثرة ادعاءات الاجتهاد ممن ليسوا أهله

ما الحكم الشرعي الصحيح في مسألة الاجتهاد وفق ما تقرره أصول الفقه الإسلامي؟

باقٍ مشروعاً لمن توافرت فيه شروطه

ما أحد الأسباب الرئيسية التي أسهمت في ازدهار الفقه الإسلامي في عصر الاجتهاد؟

تدوين السنة النبوية وتمييز المقبول من المردود

ما الذي يميز عصر التقليد عن عصر الاجتهاد في تاريخ التشريع الإسلامي؟

ركود الفقه وتقيد الفقهاء بالمذاهب المدوّنة

ما أحد الأعمال العلمية التي قام بها فقهاء عصر التقليد؟

الترجيح بين الأقوال المنقولة عن الأئمة

ما الشرط الأساسي الذي يُحدد لعودة الشريعة الإسلامية إلى مكانتها وسيادتها القانونية؟

أن يكون الاهتمام صادراً من الجماعة العلمية ومن خلالها

ما الذي تمثله الأزمة الفقهية المعاصرة في تاريخ التشريع الإسلامي؟

الهوة العميقة بين المسلمين وتراثهم الفقهي العظيم

ما المدى الجغرافي الذي امتدت إليه الدولة الإسلامية في عصر الاجتهاد؟

من الأندلس إلى الصين

ما أحد مظاهر النهضة الفقهية المعاصرة التي يُشار إليها في الفقه الإسلامي؟

ظهور المجامع الفقهية والاجتهاد الجماعي

ما المرحلتان الأساسيتان في تاريخ التشريع الإسلامي؟

مرحلة الاجتهاد ومرحلة التقليد، وقد شكّلتا معاً الأزمة الفكرية الفقهية في العصر الحاضر.

ما الفترة الزمنية التي امتد فيها عصر الاجتهاد الفقهي؟

امتد من أوائل القرن الثاني الهجري حتى منتصف القرن الرابع الهجري.

لماذا أسهم اتساع الدولة الإسلامية في تنمية الاجتهاد الفقهي؟

لأن البلاد الواسعة من الأندلس إلى الصين تضم عادات وتقاليد مختلفة تجب مراعاتها ما لم تخالف الشريعة، فاختلفت الاجتهادات بناء على اختلاف الأعراف.

ما دور تدوين السنة النبوية في ازدهار الفقه الإسلامي؟

يسّر تدوين السنة على الفقهاء الوصول إلى مصادر الفقه دون كبير عناء، إذ وجدوا السنة بين أيديهم وعرفوا المقبول من المردود فيها.

ما الأصل الشرعي في الفقيه وفق منهج الاجتهاد؟

الأصل في الفقيه أن يكون مجتهداً مستقلاً لا يتقيد بمذهب معين، وإنما يتقيد بنصوص الكتاب والسنة وما يؤديه إليه اجتهاده المقبول.

ما السببان الرئيسيان لشيوع التقليد في المرحلة الفقهية المتأخرة؟

أولهما اكتمال تدوين المذاهب الفقهية مما أغنى عن البحث والاستنباط، وثانيهما ضعف ثقة الفقهاء بأنفسهم وتهيبهم من الاجتهاد.

ما حكم الإفتاء في شرع الله لمن لم تتوافر فيه شروط الاجتهاد؟

يحرم عليه الإفتاء في شرع الله بغير علم، لأن الاجتهاد لا بد له من توافر شروطه.

ما المقصود بالتفريع والتخريج في عمل فقهاء عصر التقليد؟

هو استنباط أحكام مسائل جديدة أو قديمة بناء على قواعد المذهب وأقوال إمامه، مع مراعاة المصالح والمقاصد وعدم الخروج عن الإجماع.

ما الفرق بين الاجتهاد الفردي والاجتهاد الجماعي في الفقه المعاصر؟

الاجتهاد الجماعي يتم من خلال المجامع الفقهية التي تضم علماء متخصصين، وهو أكثر رصانة وبُعداً عن الأهواء مقارنة بالاجتهاد الفردي.

ما الذي يعنيه استخلاص قواعد الاستنباط من فروع المذهب؟

هو التعرف على طرق الاجتهاد التي سلكها إمام المذهب من خلال دراسة الفروع الفقهية المنقولة عنه واستنباط المنهج الذي اتبعه.

ما مظاهر النهضة الفقهية المعاصرة في مجال التعليم؟

تتجلى في الاهتمام الملحوظ بالفقه الإسلامي في أوساط التعليم الجامعي، ودراسته دراسة مقارنة، وإظهار مزاياه وخصائصه، وكثرة التأليف في مباحثه.

لماذا يُعدّ ظهور الفقهاء الجامعين بين الثقافة القانونية والشرعية مهماً للنهضة الفقهية؟

لأنهم قادرون على الجمع بين منهجية القانون الوضعي ومقاصد الشريعة الإسلامية، مما يُمكّن من تقديم الفقه الإسلامي بصورة تلائم متطلبات العصر.

ما الهوة التي تمثل جوهر الأزمة الفقهية المعاصرة؟

هي الهوة العميقة التي تفصل المسلمين عن تراثهم الفقهي العظيم المليء بالكنوز، والتي تكوّنت عبر قرون من التقليد والابتعاد عن الاجتهاد.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!