اكتمل ✓

ما معنى قاعدة الأمن قبل الإيمان وكيف تحقق الأمن الاجتماعي في مواجهة التطرف والأزمات؟

قاعدة الأمن قبل الإيمان تعني أنه لا يجوز لأحد بدعوى تحصيل الإيمان أن يُخل بالأمن، لأن الإخلال بالأمن مخالف للإيمان ذاته ومُضيِّع للمؤمنين. وقد طبّق النبي صلى الله عليه وسلم هذه القاعدة في مكة برفضه الصدام وإخلال الأمن. أما الأمن الاجتماعي فيتحقق عبر منظومة مركبة تشمل الحكومة والمؤسسات والجمعيات الأهلية والوقف والزكاة، مع إطلاق يد المؤسسات الخيرية لأداء دورها.

ما معنى قاعدة الأمن قبل الإيمان وكيف تحقق الأمن الاجتماعي في مواجهة التطرف والأزمات؟
ما معنى قاعدة الأمن قبل الإيمان وكيف تحقق الأمن الاجتماعي في مواجهة التطرف والأزمات؟
3 دقائق قراءة
  • هل يتعارض الأمن مع الإيمان، وكيف يفهم الشباب المتطرف هذه المسألة على غير وجهها الصحيح؟

  • قاعدة «الأمن قبل الإيمان» تعني أن إخلال الأمن بدعوى الإيمان هو في حقيقته مخالفة للإيمان ذاته وتضييع للمؤمنين.

  • النبي صلى الله عليه وسلم رفض الصدام في مكة رفضاً تاماً، وكان يدخل الكعبة وفيها الأصنام دون أن يهدمها حفاظاً على الأمن.

  • الأمن الاجتماعي أمر مركب يستلزم منظومة متكاملة تشمل الحكومة والمدرسة والمسجد والإعلام والجمعيات الأهلية.

  • مؤسسات الوقف والزكاة والتكافل الاجتماعي ركائز تاريخية ناجحة لتحقيق الأمن الاجتماعي في مجالات الصحة والتعليم ورعاية الفئات الهشة.

  • العدل يؤدي إلى الأمن، والأمن نعمة إلهية مرتبطة بشكر الله وإطلاق يد المؤسسات الخيرية للقيام بدورها.

حضور مؤتمر الأمن الاجتماعي في مملكة البحرين وأهميته العامة

الأمن الاجتماعي

في الأسبوع الماضي حضرت مؤتمر «الأمن الاجتماعي» بمملكة البحرين الشقيقة، نظمه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، تحت إشراف سمو الشيخ عبد الله بن خالد رئيس المجلس، وتحت رعاية كريمة من معالي رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، وحضره مجموعة كبيرة من العلماء والمفكرين والباحثين، وقدموا أكثر من عشرين بحثا حول مفهوم الأمن الاجتماعي وأهمية الاهتمام به ومؤسساته.

وهو موضوع غاية في الأهمية؛ حيث لابد من الاهتمام بالحراك الاجتماعي اهتماما عمليا ونظريا، وأن ذلك هو المحضن الأساس لكل حراك فكري أو سياسي أو اقتصادي، ولذلك كانت له الأولوية، بل إنه يعد ضابط الإيقاع لكل أنواع تنمية المجتمع.

وكان البحث الذي تقدمت به مبني على ثلاثة أفكار:

شرح قاعدة الأمن قبل الإيمان وتصحيح الفهم الديني لها

الفكرة الأولى: أنه ينبغي علينا أن نضع قاعدة مهمة، وأن نفهمها بعمق، وهي تمثل أهم قواعد التعايش في المجتمع المعاصر، وهي أن الأمن قبل الإيمان، وقد يفهم بعض المتدينين هذه القاعدة على غير وجهها، فيفهم منها مثلا أننا نؤخر ما واجبه التقديم؛ حيث إن الإيمان هو سبب الأمن، فكيف نقدم الأمن عليه شرعا، وهو مؤخر عنه طبعا باعتباره أنه نتيجة عن الإيمان، والنتيجة تلي السبب، ولا تتقدم عليه ؟ حتى قال محمد إقبال في حكمته:

إذا الإيمان ضاع فلا أمان

ولا دنيا لمن لم يحي دينا

وهو كلام صحيح في نفسه، ويؤيده قوله تعالى:

(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [الأنعام:82].

لكن المقصود من القاعدة أنه لا يجوز للإنسان تحت دعوى تحصيل الإيمان أو مقتضيات ذلك الإيمان أن يخل بالأمن؛ لأنه إذا أخل بالأمن كان ذلك أولا: مخالفا للإيمان، وثانيا: مضيعا للمؤمنين، وثالثا: يضيع الحالة التي يمكن فيها للمؤمن أن يمارس إيمانه، ولذلك نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة يرفض الدعوة إلى الصدام، وإلى إخلال الأمن فيها رفضا تاما، بل ويغضب عندما يوضع الإخلال بالأمن كخيار في مقابلة تطبيق الإيمان، ومن ذلك ما رواه ابن سعد في طبقاته عن العباس بن عبادة بن نضلة أنه قال: «قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لئن أحببت لنميلن على أهل منى بأسيافنا وما أحد عليه سيف تلك الليلة غيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نؤمر بذلك» [طبقات ابن سعد].

أمثلة نبوية وقرآنية على تقديم حفظ الأمن على الصدام

ولقد كان يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة المشرفة منصوبة فيها الأصنام، فلم يهدمها ولم يأمر بهدمها، مع أنها محض شرك، وهكذا قدم سيدنا هارون الأمن على مقتضيات الإيمان، وقال لموسى في القصة المشهورة:

(قَالَ يَا بْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) [طه:94].

وهؤلاء هم الذين أمرنا الله أن نتبعهم، فقال:

( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) [الأنعام:90].

وهذا أمر يجب أن نتفق عليه، وهو يمثل هاجسا لدى الشباب المتطرف الذي يريد أن يقدم ما تصوره من الإيمان على الأمن والاستقرار، ولقد امتد هذا الهاجس حتى إلى بعض كُتَّابنا فتراهم يتساءلون إذا ما سمعوا أن شيئا ما حرام، فهل هذا يجب معه أن نغير ذلك المنكر بأيدينا، أليس السكوت على ذلك منا باب النفاق ؟وما أتى هذا السؤال إلا للجهل بتلك القاعدة الأساس، والتي يجب أن نفهم معناها على وجهه، وأن نؤكد عليها، وننشر معناها، قال الإمام الغزالي في كتابه [الاقتصاد في الاعتقاد]: «نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا» اهـ. ويقول الماوردي في [أدب الدنيا والدين]: اعلم أن صلاح الدنيا معتبر من وجهين؛ أولهما: ما ينتظم به أمور جملتها. والثاني: ما يصلح به حال كل واحد من أهلها.

منظومة الأمن الاجتماعي المركبة ودور المؤسسات والوقف والزكاة

والفكرة الثانية: هي أن الأمن الاجتماعي أمر مركب ومعقد ولابد من منظومة مركبة بإزائه، تشترك فيها الحكومة، وجمعيات العمل الأهلي، والمؤسسات المختلفة [المدرسة-المسجد-الإعلام....] معا، وأن واحدة من هذه المنظومة لا تكفي وحدها، كما يجب أن تكون منظومة شاملة تهتم بالداخل والخارج، ولا يكفي الاهتمام بجانب دون آخر، ومن هنا كان الاهتمام بقضايا العالم جزء لا يتجزأ من الأمن الاجتماعي، ويتبع هذه الفكرة استعمال التجارب التي نجحت عبر التاريخ كالوقف، والزكاة، والخيرات في القيام بواجب الأمة مع الدولة سويا في مجال الصحة والتعليم والبحث العلمي، والتكافل الاجتماعي من رعاية المسنين، والمشردين، واليتامى، والأرامل، والمعوقين، وشئون الحياة كالفنون والآداب والعمارة والرياضة، وأن أساس ذلك كله سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمع أن «نعطي السنارة من أجل الصيد لا أن نعطي السمكة من أجل الطعام»، ولكن مع ذلك فإن هناك من هو في حد الكفاف وعدم الكفاءة بحيث إنه يحتاج إلى الرعاية وإلى السمكة مباشرة.

توسيع دور الجمعيات الأهلية وربط العدل بنعمة الأمن في القرآن

والفكرة الثالثة: هل المطالبة بالمزيد من إطلاق يدي الجمعيات الأهلية والمؤسسات الخيرية للقيام بدورها؛ لأن كثيرا من القوانين والإجراءات تعيقها عن أداء واجبها، وفي أمريكا أكثر من مليون ونصف مؤسسة خيرية؛ لأنهم يكتفون بالتسجيل دون إجراءات التصريح.

إن العدل سيؤدي إلى الأمن، والأمن والأمان والإيمان جملة واحدة، قال تعالى:

(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [النحل:112]

وعلى كل حال فالأمن الاجتماعي نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى، قال تعالى:

(الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) [قريش:4].

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المقصود الصحيح بقاعدة «الأمن قبل الإيمان»؟

أنه لا يجوز إخلال الأمن بدعوى تحصيل الإيمان

ما الموقف الذي اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم حين عُرض عليه الصدام في مكة؟

رفضه رفضاً تاماً وغضب منه

ما الدرس المستفاد من دخول النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة دون هدم الأصنام؟

أن تقديم الأمن على الصدام واجب حتى مع وجود المنكر

ما الموقف الذي اتخذه سيدنا هارون مع قومه حين غاب موسى؟

قدّم الأمن وخشي التفرقة بين بني إسرائيل

ما المبدأ الجوهري الذي يحكم التكافل الاجتماعي في منظومة الأمن؟

إعطاء السنارة للصيد لا السمكة للطعام مع مراعاة من يحتاج الرعاية المباشرة

ما قول الإمام الغزالي في علاقة نظام الدين بنظام الدنيا؟

نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا

ما العائق الرئيسي الذي يحول دون قيام الجمعيات الأهلية بدورها في كثير من الدول؟

كثرة القوانين والإجراءات المعيقة

ما الذي ربطه القرآن الكريم في سورة النحل بين الأمن وسلوك القرية؟

القرية التي كفرت بأنعم الله أذاقها الله الجوع والخوف

ما الذي يميز نموذج المؤسسات الخيرية في أمريكا وفق ما ورد في المحتوى؟

الاكتفاء بالتسجيل دون إجراءات التصريح

ما الفئات التي تستهدفها منظومة التكافل الاجتماعي في الإسلام؟

المسنون واليتامى والأرامل والمعوقون والمشردون

لماذا يُعدّ الأمن الاجتماعي ضابط الإيقاع لكل أنواع تنمية المجتمع؟

لأنه المحضن الأساس لكل حراك فكري أو سياسي أو اقتصادي، فلا يمكن لأي تنمية أن تنجح في غياب الأمن الاجتماعي.

ما الخطأ الذي يقع فيه بعض المتدينين عند فهم قاعدة الأمن قبل الإيمان؟

يظنون أنها تعني تأخير الإيمان الذي هو سبب الأمن، في حين أن معناها الصحيح هو النهي عن إخلال الأمن بدعوى تحصيل الإيمان.

ما الثلاثة أسباب التي تجعل إخلال الأمن مرفوضاً شرعاً؟

أولاً: هو مخالف للإيمان ذاته. ثانياً: يُضيِّع المؤمنين. ثالثاً: يُزيل الحالة التي يمكن فيها للمؤمن أن يمارس إيمانه.

ما الرواية التي تدل على رفض النبي صلى الله عليه وسلم للصدام في مكة؟

ما رواه ابن سعد في طبقاته عن العباس بن عبادة بن نضلة حين عرض الميل بالسيف على أهل منى، فقال النبي: «إنا لم نؤمر بذلك».

ما الآية القرآنية التي تربط الأمن بالإيمان وعدم الظلم؟

قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [الأنعام:82].

ما الدرس الذي يُستفاد من موقف سيدنا هارون مع بني إسرائيل في غياب موسى؟

أن تقديم الأمن ومنع التفرقة بين الناس أولى من المواجهة المباشرة التي قد تُفضي إلى الفتنة، وهو نموذج أمر الله باتباعه.

ما المؤسسات التي تشكّل منظومة الأمن الاجتماعي المركبة؟

تشمل الحكومة وجمعيات العمل الأهلي والمدرسة والمسجد والإعلام، ولا تكفي جهة واحدة وحدها لتحقيق الأمن الاجتماعي.

ما الفرق بين مبدأ «إعطاء السنارة» ومبدأ «إعطاء السمكة» في التكافل الاجتماعي؟

إعطاء السنارة يعني تمكين الفرد من الاعتماد على نفسه عبر التعليم والتدريب، أما إعطاء السمكة فهو الرعاية المباشرة لمن هو في حد الكفاف ولا يستطيع الاعتماد على نفسه.

ما قول الماوردي في وجهَي صلاح الدنيا؟

قال الماوردي: صلاح الدنيا معتبر من وجهين؛ أولهما ما ينتظم به أمور جملتها، والثاني ما يصلح به حال كل واحد من أهلها.

ما الآية التي تجعل الأمن والإطعام نعمتين إلهيتين مقترنتين؟

قوله تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) [قريش:4]، مما يدل على أن الأمن نعمة إلهية تُعادل نعمة الطعام.

ما العلاقة بين العدل والأمن الاجتماعي؟

العدل يؤدي إلى الأمن، والأمن والأمان والإيمان جملة واحدة متكاملة، وقد ضرب القرآن مثل القرية التي كفرت بأنعم الله فأذاقها الله الجوع والخوف.

لماذا يُعدّ الاهتمام بقضايا العالم الخارجي جزءاً من الأمن الاجتماعي؟

لأن منظومة الأمن الاجتماعي يجب أن تكون شاملة تهتم بالداخل والخارج معاً، ولا يكفي الاهتمام بجانب دون الآخر.

ما حكمة محمد إقبال التي استُشهد بها في سياق الأمن والإيمان؟

قال إقبال: «إذا الإيمان ضاع فلا أمان، ولا دنيا لمن لم يحي ديناً»، وهو كلام صحيح يؤكد أن الإيمان هو الأساس الحقيقي للأمن.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!