ما حكم الإيمان بالكتب السماوية السابقة وكيف يهيمن القرآن عليها وما تعريف الوحي في الإسلام؟
يؤمن المسلم بالكتب السماوية المنزلة على الأنبياء السابقين كالتوراة والإنجيل والزبور، غير أنه لا يعتبرها ملزمة له لسببين: تحريفها من قِبَل أهلها، وهيمنة القرآن الكريم عليها ونسخه للعمل بها. والوحي عند المسلمين يعني القرآن الكريم والسنة النبوية، وهما المصدران الأصليان للتشريع الإسلامي.

- •
هل يجوز للمسلم اتباع الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل أم أن القرآن نسخ العمل بها؟
- •
يؤمن المسلم بأن الله أنزل صحف إبراهيم والتوراة والزبور والإنجيل، لكنه لا يصدق ما لم يرد في القرآن والسنة ولا يكذبه.
- •
أثبت القرآن الكريم بآيات صريحة أن أهل الكتاب حرّفوا كتبهم وكتبوا بأيديهم ما نسبوه إلى الله.
- •
حتى لو بقيت الكتب السابقة بلا تحريف فإن القرآن يهيمن عليها وينسخ العمل بشرائعها بنص الآية الكريمة.
- •
ذكر القرآن خمسة وعشرين نبياً ورسولاً، ثمانية عشر منهم في سورة الأنعام وحدها، والمؤمن يؤمن بجميعهم دون تكذيب أحد.
- •
الوحي عند المسلمين هو القرآن الكريم المحفوظ بالتواتر والسنة النبوية الموثقة بجهود علمية فريدة في تاريخ البشرية.
- 1
يؤمن المسلم بالكتب السماوية المنزلة على الأنبياء إجمالاً، لكنه لا يعتبرها محفوظة ولا ملزمة له لوقوع التحريف فيها.
- 2
استدل القرآن الكريم بآيات متعددة على تحريف أهل الكتاب لكتبهم وكتابتهم ما نسبوه زوراً إلى الله.
- 3
القرآن الكريم مهيمن على الكتب السابقة وناسخ للعمل بشرائعها حتى لو كانت غير محرفة، بنص آيات قرآنية صريحة.
- 4
الإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان، والقرآن ذكر خمسة وعشرين نبياً ورسولاً وأكد أن كل أمة بُعث إليها نذير.
- 5
سورة الأنعام تضمنت ذكر ثمانية عشر نبياً ورسولاً في آيات 83 إلى 86، وصفهم الله بالصالحين والمحسنين والمفضَّلين على العالمين.
- 6
الأنبياء السبعة الباقون هم محمد وآدم وهود وصالح وذو الكفل وشعيب وإدريس، وأثبت القرآن وحي الله لآدم في مواضع متعددة.
- 7
ذُكر ذو الكفل في موضعين وإدريس في مواضع متعددة وهود في سورة باسمه وآيات أخرى، وكلهم وُصفوا بالصالحين والأخيار.
- 8
القرآن ذكر صالحاً وشعيباً في مواضع متعددة، والمؤمن يؤمن بجميع الأنبياء ويعتقد أن عددهم أكبر مما ذُكر في القرآن.
- 9
بيّنت الأحاديث النبوية أن عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفاً والمرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتمهم.
- 10
لا يجوز اتباع الأنبياء السابقين لسببين: تحريف ما نُقل عنهم، ونسخ الله لاتباعهم ببعثة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.
- 11
أكدت الأحاديث النبوية أن شريعة موسى وعيسى منسوخة ببعثة النبي محمد، ولو كانا حيين لما وسعهما إلا اتباعه.
- 12
الوحي الإسلامي هو القرآن والسنة، والقرآن وحي معصوم محفوظ بضمان إلهي لا يأتيه الباطل وهو المصدر الأول للتشريع.
- 13
السنة النبوية مصدر تشريعي معصوم، وأثبت القرآن وجوب اتباع النبي بوصفه أسوة حسنة ورحمة للعالمين لا ينطق عن الهوى.
- 14
وصل القرآن بالتواتر القاطع محفوظاً في كل حرف، ونشأت علوم النحو والقراءات والتفسير واللغة خدمةً لحفظه وصيانته.
- 15
بذل المسلمون جهداً فريداً في توثيق السنة النبوية، ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر لأجل حديث واحد مما يدل على عناية الصحابة الشديدة.
- 16
اعتمد الصحابة على الرواية والمشافهة في نقل السنة، ولم يكن ثمة تدوين رسمي لها كتدوين القرآن، مع وجود إذن خاص لبعضهم بالكتابة.
- 17
نُهي عن كتابة السنة في بداية الإسلام خشية اختلاطها بالقرآن وإهمال الحفظ، ثم أُذن بكتابتها لما زالت تلك الأسباب.
- 18
أذن النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة السنة في مواقف متعددة، منها قصة أبي شاه وعبد الله بن عمرو، مما جعل السنة مصدراً موثقاً للتشريع.
- 19
خاتمة تدعو المؤمن إلى الإيمان بالوحي على وجهه الصحيح، وهو الإيمان بالكتب السابقة إجمالاً واتباع القرآن والسنة وحدهما.
ما الذي يؤمن به المسلم بشأن الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء السابقين وما موقفه منها؟
يؤمن المسلم بأن الله أنزل صحفاً على إبراهيم، والتوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى عليهم السلام. وما لم يُذكر في القرآن والسنة من أخبار هذه الكتب فالمسلم لا يصدقه ولا يكذبه. ولا يعتقد المسلم أن الله حفظ هذه الكتب من التحريف، ولا أنها ملزمة له.
ما الأدلة القرآنية على تحريف الكتب السابقة وما ادعاءات أهل الكتاب التي ردّها القرآن؟
أثبت القرآن الكريم تحريف الكتب السابقة بآيات صريحة، منها قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾. كما ردّ القرآن ادعاء اليهود والنصارى بأنهم أبناء الله وأحباؤه بقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾.
كيف يهيمن القرآن الكريم على الكتب السابقة وما معنى نسخ العمل بشرائعها؟
حتى لو بقيت الكتب السابقة بلا تحريف فإن القرآن يهيمن عليها وينسخ العمل بها، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. وأمر الله المؤمنين باتباع ما أُنزل إليهم من ربهم دون اتباع غيره، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾.
ما علاقة الإيمان بالكتب بالإيمان بالرسل وكم نبياً ذكر القرآن الكريم؟
يترتب على الإيمان بالكتب المنزلة الإيمانُ بالرسل الذين أبلغوا الوحي إلى أقوامهم، وهو أحد أركان الإيمان بالله. يؤمن المسلم بأن الله أرسل رسلاً إلى كل أمة ولم يترك أمة بلا نذير، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. وقد ذكر القرآن خمسة وعشرين نبياً ورسولاً، ثمانية عشر منهم في سورة الأنعام وحدها.
من هم الأنبياء الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام؟
ذكرت سورة الأنعام ثمانية عشر نبياً في آيات متتالية، وهم: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط عليهم السلام. وقد وصفهم الله بأنه فضّلهم على العالمين.
من هم الأنبياء السبعة الباقون غير المذكورين في سورة الأنعام وما دليل نبوة آدم عليه السلام؟
الأنبياء السبعة الباقون هم: محمد وآدم وهود وصالح وذو الكفل وشعيب وإدريس عليهم السلام. وأثبت القرآن نبوة آدم بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، وبقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، مما يدل على تلقيه الوحي من ربه.
في أي مواضع ذُكر ذو الكفل وإدريس وهود في القرآن الكريم؟
ذُكر ذو الكفل في موضعين في القرآن: في سورة الأنبياء وسورة ص، ووُصف بأنه من الصابرين ومن الأخيار. وذُكر إدريس في أكثر من موضع في القرآن. أما هود فله سورة كاملة باسمه، وذُكر في أكثر من موضع منها قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
كم عدد الأنبياء والمرسلين الذين أرسلهم الله وهل المذكورون في القرآن هم كل الأنبياء؟
المذكورون في القرآن ليسوا كل الأنبياء، إذ يؤمن المسلم بأن الله أرسل رسلاً أكثر مما ذُكر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. والمؤمن لا يكذب بنبوة أحد من الأنبياء المذكورين كصالح وشعيب، ويعتقد أن عدد الأنبياء والمرسلين أكبر مما ذُكر في القرآن.
كم عدد الأنبياء والمرسلين وفق الأحاديث النبوية ومن هو خاتم الأنبياء؟
وفق حديث أبي ذر رضي الله عنه أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، والمرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم أنه خاتم الأنبياء بقوله: «إني خاتم ألف نبي أو أكثر ما بعث نبي يتبع إلا قد حذر أمته الدجال».
لماذا لا يجوز للمسلم اتباع الأنبياء السابقين وما منهج الإيمان الصحيح بالرسل؟
لا يجوز للمسلم ترك اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم واتباع غيره من الأنبياء لسببين: الأول أن ما نُقل عن الأنبياء السابقين في كتب أتباعهم دخله التحريف فلا يُطمأن إليه. والثاني أن اتباعهم نسخه الله ببعثة النبي الخاتم، فالإيمان بالأنبياء يعني الإيمان بأن الله بعثهم لأممهم وأمر أممهم بطاعتهم في زمانهم.
ما الدليل الحديثي على أن شريعة موسى وعيسى منسوخة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي». وروى ابن كثير بسنده إلى جابر رضي الله عنه حديث: «والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني، ولو كان موسى وعيسى حيين ونصف حيين لما وسعهما إلا اتباعي». وهذا دليل صريح على نسخ شرائع الأنبياء السابقين.
ما تعريف الوحي عند المسلمين وما مكانة القرآن الكريم باعتباره وحياً معصوماً؟
الوحي عند المسلمين يعني القرآن الكريم والسنة النبوية، وهما المصدران الأصليان للتشريع الإسلامي. القرآن الكريم هو الوحي المعصوم المحفوظ الذي هو كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾، وتكفّل الله بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
ما مكانة السنة النبوية في الإسلام وما الأدلة القرآنية على وجوب اتباع النبي محمد؟
السنة النبوية هي التطبيق المعصوم الدقيق الذي يُعلّم مناهج الوصل بين الوحي المطلق والواقع النسبي. أثبت القرآن وجوب اتباع النبي بآيات متعددة، منها: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾، و﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، و﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. فالنبي موصوف من ربه بأنه رحمة للعالمين وله الطاعة والاتباع.
كيف وصل القرآن الكريم إلينا محفوظاً وما العلوم التي نشأت للحفاظ عليه؟
وصل القرآن الكريم إلينا بالتواتر القاطع دون اختلال في حرف واحد، وحُفظ على مستوى الأداء الصوتي للحروف ومخارجها والكلمات وطريقة نطقها. ونشأت عدة علوم للحفاظ على هذا الكتاب الكريم، منها: علم النحو والصرف، وعلم القراءات، وعلم التفسير، بل وعلوم اللغة العربية كلها، وقد وُضعت المعاجم العربية للحفاظ على البيئة اللغوية التي نزل فيها القرآن.
ما الجهود الفريدة التي بذلها المسلمون في توثيق السنة النبوية وما مثال على عناية الصحابة بالحديث؟
بذل المسلمون جهداً مبدعاً فريداً في توثيق كلام النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدث مثله لأي نبي أو مفكر أو عالم في تاريخ البشرية. وكان للصحابة عناية شديدة في رواية الحديث ونقله، ومن أبرز الأمثلة أن جابر بن عبد الله الأنصاري رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد، كما ذكره البخاري في صحيحه.
هل كان هناك تدوين رسمي للسنة النبوية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وما الفرق بين تدوين القرآن والسنة؟
لم يكن التدوين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تدويناً رسمياً للسنة، إذ لم يأمر النبي الصحابة رسمياً بتدوينها ولم يعيّن لها كتبة كما فعل مع القرآن. غير أنه ورد الإذن النبوي لبعض الصحابة بالكتابة بصور فردية غير منتظمة وبإذن خاص، ولا تعارض بين هذا الإذن الخاص وبين النهي العام عن الكتابة في بداية الإسلام.
ما سبب النهي عن كتابة السنة في بداية الإسلام ومتى أُذن بكتابتها؟
نهى النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الإسلام عن كتابة أي شيء غيره القرآن لثلاثة أسباب: حتى لا ينشغل الصحابة بغير القرآن، وحتى لا يختلط القرآن بكلام النبي، وحتى لا يركنوا للكتابة ويهملوا الحفظ. فلما زالت هذه الأسباب أذن النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة الحديث لمن أراد من المسلمين.
ما القصص والأحاديث التي تدل على إذن النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة السنة النبوية؟
من أبرز الأدلة على إذن النبي بكتابة السنة: أنه لما فتح مكة خطب فقام أبو شاه اليمني وطلب كتابة الخطبة، فقال النبي: «اكتبوا لأبي شاه». وكذلك عبد الله بن عمرو رضي الله عنه كان يكتب كل ما يسمعه من النبي، فلما أُخبر النبي بذلك قال له: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق». وظل التدوين والعناية بحفظ السنة مستمراً حتى يومنا هذا.
ما الخلاصة الواجب على المؤمن اعتقادها في شأن الوحي والكتب السماوية؟
ينبغي على المؤمن أن يؤمن بالوحي على النحو الذي بُيّن في هذه المقالات، وهو الإيمان بالكتب السماوية السابقة إجمالاً مع عدم اتباعها، والإيمان بأن الوحي الملزم هو القرآن الكريم والسنة النبوية. وهذا الإيمان يستلزم صدق اليقين والتسليم الكامل لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
الوحي الإسلامي هو القرآن المحفوظ والسنة الموثقة، والقرآن يهيمن على الكتب السابقة وينسخ العمل بها.
الإيمان بالكتب السماوية ركن أصيل في عقيدة المسلم، إذ يؤمن بأن الله أنزل التوراة والزبور والإنجيل وصحف إبراهيم على أنبيائهم. غير أن هذا الإيمان لا يستلزم الاتباع، لأن هذه الكتب طالها التحريف بنص القرآن الكريم، وحتى لو سلمت من التحريف فإن القرآن يهيمن عليها وينسخ العمل بشرائعها، قال تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾.
الوحي عند المسلمين يتمثل في القرآن الكريم باعتباره كلام الله المعصوم المحفوظ الذي وصل بالتواتر القاطع، وفي السنة النبوية التي بذل المسلمون جهداً فريداً في توثيقها لم يُسبقوا إليه. وكما أن المسلم لا يتبع الكتب السابقة فكذلك لا يتبع الأنبياء السابقين في شرائعهم، إذ نسخ الله ذلك كله ببعثة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال: «لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي».
أبرز ما تستفيد منه
- الإيمان بالكتب السماوية واجب لكن اتباعها منسوخ بالقرآن الكريم.
- القرآن يهيمن على الكتب السابقة وينسخ العمل بشرائعها.
- الوحي الإسلامي هو القرآن والسنة وهما المصدران الأصليان للتشريع.
- عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفاً والمرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر.
إجمال الإيمان بالكتب السماوية المنزلة على الأنبياء السابقين
الوحي 3
ذكرنا في المقالة السابقة بشأن ما يؤمن به المسلم من الوحي والكتب التي أنزلها أن المسلم يؤمن بأن الله أنزل على إبراهيم عليه السلام صحفًا، وكذلك أنزل على موسى عليه السلام التوراة، وأنزل على داود عليه السلام الزبور، وأنزل على عيسى عليه السلام الإنجيل.
فهو لا يكذب بما جاء من أخبار في هذا الشأن، وما زاد عن ذلك من أخبار لم تذكر في القرآن والسنة، فالمسلم لا يكذبها ولا يصدقها.
ومسألة مهمة في شأن تلك الكتب السماوية، وهي أن المسلم عليه ألا يعتقد أن الله قد حفظ هذه الكتب، ولا يعتقد كذلك أنها ملزمة للمسلمين وأنها وحيهم؛ وذلك لأمرين، الأول: أن الله قد ذكر لنا تحريف هذا الكتب، قال تعالى عن بني إسرائيل:
الأدلة القرآنية على تحريف الكتب السابقة وادعاءات أهل الكتاب
﴿فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79]
وقال تعالى عنهم كذلك:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13]
ويقول سبحانه مخاطبًا للمؤمنين:
﴿۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75]
وقوله تعالى:
﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ [المائدة: 18].
هيمنة القرآن على الكتب السابقة ونسخ العمل بشرائعها
الثاني: أنها حتى إن كانت موجودة وباقية بغير تحريف، فإن القرآن يهيمن عليها وينسخ العمل بها، قال تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48]
قال تعالى:
﴿ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 106]
وقال سبحانه عن القرآن:
﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155]
وقوله تعالى:
﴿ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3].
علاقة الإيمان بالكتب بالإيمان بالرسل وعموم إرسال النذر
ويترتب على قضية الإيمان بالكتب المنزلة قضية الإيمان بالرسل إذ هم الذين أبلغوا الوحي إلى أقوامهم، فالإيمان بالرسل أحد أركان الإيمان بالله، وذلك أن المؤمن يؤمن بأن الله أرسل رسلا إلى أقوامهم وما ترك أمة إلا وأرسل إليها بشرا منهم، قال تعالى:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:24].
ويؤمن كذلك بأخبار من جاء الوحي بأخبارهم من الرسل فقد ذكر القرآن الكريم، خمسة وعشرين نبيا ورسولا، منهم ثمانية عشر ذكرهم سورة الأنعام وحدها قوله تعالى:
الأنبياء الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًۭا ۚ وَكُلًّۭا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: 83: 86].
الأنبياء السبعة الآخرون وذكر آدم وذو الكفل وإدريس وهود
والسبعة الباقون هم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وآدم عليه السلام، وهود عليه السلام، وصالح عليه السلام، وذو الكفل عليه السلام، وشعيب عليه السلام، وإدريس عليه السلام. وذكرهم الله في كتابه فقال تعالى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًۭا كَثِيرًۭا﴾ [الأحزاب: 41].
وجاء ذكر آدم عليه السلام في مواضع كثيرة وأن ربنا أوحى إليه، فقال تعالى:
﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 31]
وقال الله تعالى عنه كذلك:
﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٍۢ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37].
ذكر ذو الكفل وإدريس وهود وصالح وشعيب والإيمان بجميع الأنبياء
أما ذو الكفل عليه السلام فقد ذكر في موضعين في القرآن، قال تعالى:
﴿وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنبياء: 85]
وقوله تعالى:
﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّۭ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ﴾ [ص: 48]،
وذكر إدريس عليه السلام في أكثر من موضع في القرآن منها قوله تعالى:
﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [الأنبياء: 56]،
ولهود عليه السلام سورة في القرآن باسمه، وقد ذكره الله تعالى في كتابه في أكثر من موضع منها قوله تعالى:
﴿۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۗ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 65].
ذكر صالح وشعيب وعدد الأنبياء والمرسلين أكثر من المذكورين
وجاء ذكر صالح عليه السلام في القرآن في أكثر من موضع، منها: قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45].
وذكر الله شعيبًا في القرآن في أكثر من آية منها قوله تعالى:
﴿۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ﴾ [هود: 84]
هؤلاء هم من جاء ذكرهم في القرآن الكريم، فالمؤمن لا يكذب بنبوة أحد منهم، كما يعتقد أن الله أرسل رسولا غيرهم، فعدد الأنبياء والمرسلين أكبر من ذلك، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر: 78].
الأحاديث في عدد الأنبياء والمرسلين وختم النبوة بمحمد
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إنى خاتم ألف نبي أو أكثر ما بعث نبي يتبع إلا قد حذر أمته الدجال» [أخرجه أحمد في مسنده، ج3 ص 79، والحاكم في المستدرك، ج1 ص 588]، وكذلك عن أبي ذر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «يا رسول الله، كم النبيون ؟ قال: مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي. قلت: كم المرسلون منهم ؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر» [أخرجه الحاكم في المستدرك، ج2 ص 652، والبيهقي في السنن الكبرى، ج9 ص 4، وفي الشعب، ج1 ص 49].
منهج الإيمان بالرسل ووجوب اتباع النبي محمد وحده
وكما هو حال المؤمن في الإيمان بالكتب، ينبغي أن يكون حاله في الإيمان بالرسل من حيث الاتباع، فلا يجوز لأحد من المسلمين أن يترك اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم ويتبع غيره من الأنبياء، وإنما يكون إيمانه بالأنبياء أن يؤمن بأن الله بعثهم لأممهم وأمرهم بطاعتهم، ولا يجوز أن نتبعهم لنفس الأمرين المذكورين في الكتب، وهما؛ الأول: أننا لا نطمئن لما نقل عنهم في كتب الآخرين لما دخل عليه من تحريف. والثاني: حتى إن كان ما نقل عنهم غير محرف لا يجوز لنا اتباعهم لأن؛ اتباعهم نسخه الله ببعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وقد قال صلى الله عليه وسلم:
أحاديث تدل على نسخ اتباع الأنبياء السابقين ببعثة النبي الخاتم
« قد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي » [رواه البيهقي في شعب الإيمان، ج1 ص 200] وساق ابن كثير بسنده إلى جابر رضي الله عنه حديث: « وإنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني، وفي بعض الأحاديث لو كان موسى وعيسى حيين ونصف حيين لما وسعهما إلا اتباعي » [راجع تفسير ابن كثير، ج1 ص 379].
تعريف الوحي عند المسلمين ومكانة القرآن الكريم كحجة معصومة
وعندما نتكلم عن الوحي عند المسلمين فإننا نعني القرآن والسنة، وهما الحجة أو المصادر الأصلية للتشريع، فالحجة تتمثل في القرآن الكريم باعتباره الوحي المعصوم المحفوظ الذي هو كلام الله سبحانه وتعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وذلك لقوله تعالى:
﴿ ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:2]
ولقوله تعالى:
﴿لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:42].
ولقوله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:9].
مكانة السنة النبوية ووصف النبي بالطاعة والاتباع والقدوة
وفي السنة النبوية المشرفة باعتبارها التطبيق المعصوم الدقيق الواضح العملي الذي علمنا مناهج الوصل بين المطلق [الوحي] وبين النسبي [الواقع]، ولأنها صادرة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الموصوف من ربه بأنه:
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى﴾ [النجم:3]
والموصوف من ربه بأنه:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107]
والموصوف من ربه بأنه أسوة حسنة، قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21]
والموصوف من ربه بأنه له الطاعة والاتباع، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:33]،
وقال سبحانه:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران:31].
وصول القرآن بالتواتر ونشأة العلوم لحفظه وصيانته
وقد وصل إلينا القرآن بالتواتر لم يختل فيه حرف واحد، وحفظ عليه على مستوى الأداء الصوتي للحروف ومخارجها والكلمات وطريقة نطقها، ونشأت عدة علوم للحفاظ على هذا الكتاب الكريم كما هو منها: علم النحو والصرف، والقراءات، والتفسير، بل وعلوم اللغة كلها، بل إن المعاجم العربية إنما وضعت للحفاظ على هذه البيئة التي منها ذلك الكتاب العظيم.
الجهود الفريدة في توثيق السنة ورحلة الصحابة في طلب الحديث
أما السنة فقد بذل المسلمون جهدا مبدعا وغير مكرر في توثيق كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فأنشئوا علوما كثيرة، ولم يحدث مثل ذلك أبدا لأي نبي أو مفكر أو عالم أو شاعر أو أديب في تاريخ البشرية فهو أمر فريد اختص بكلام النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
كان للصحابة –رضوان الله عليهم- عناية شديدة في رواية الحديث ونقله، فرحل جابر بن عبد الله الأنصاري مسيرة شهر إلي عبد الله بن أُنَيْس في حديث واحد [ذكره البخاري في صحيحه].
الاعتماد على الرواية في زمن النبي وعدم التدوين الرسمي للسنة
وقد اعتمد الصحابة على الرواية والمشافهة، فلم يكن التدوين في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تدوينًا رسميًا, بمعنى أن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يأمر الصحابة رسميًا بتدوين السنة، ولم يعين لذلك كتبة مثل كُتَّاب الوحي الذين كانوا يدونون القرآن, غير أنه ورد الأمر النبوي لبعض الصحابة رضي الله عنه بالكتابة بصور فردية غير منتظمة, وبإذن خاص من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولا تعارض بين هذا الإذن الخاص والأمر بالكتابة مع قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
حديث النهي عن كتابة غير القرآن وسبب هذا النهي في بداية الإسلام
«لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» [رواه أحمد في مسنده، جـ1 صـ 78، والبخاري في صحيحه، جـ1 صـ 52، ومسلم في صحيحه، جـ1، ص10].
فإن هذا الحديث كان في بداية تدوين القرآن فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ألا ينشغل الصحابة بشيء غير القرآن الكريم ويختلط عليهم القرآن بكلام النبي، وحتى لا يركنوا للكتابة ويهملوا الحفظ ومن هنا نهى في بدء الإسلام عن كتابة أي شيء غير القرآن الكريم،و لما زالت تلك الأسباب أذن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بعد ذلك في كتابة الحديث لمن أراد من المسلمين، وقد تمثل هذا الإذن النبوي في أحاديث كثيرة نذكر منها:
أحاديث الإذن بكتابة السنة وقصة أبي شاه وعبد الله بن عمرو
- •
لما فتح الله تعالى مكة للمسلمين خطب النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فقام رجل من أهل اليمن اسمه أبو شاه، وقال: يا رسول الله، اكتبوا لي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه» [رواه أحمد في مسنده، جـ1، صـ 238، والبخاري في صحيحه، جـ1 صـ 53، ومسلم في صحيحه جـ1، صـ989] وعند البخاري زيادة، عن الوليد بن مسلم، قال: قلت للأوزاعي، ما قوله، اكتبوا ؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فدل ذلك على صريح إذنه بالكتابة.
- •
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ؛ وأشار بيده إلى فيه» [رواه أحمد في مسنده، جـ2، صـ 162، والحاكم في المستدرك جـ1، صـ 187]. وغير ذلك من الأحاديث، وظل التدوين والعناية بحفظ السنة حتى يومنا هذا مما جعلها مصدرا موثقا من مصادر التشريع الإسلامي.
خاتمة في وجوب الإيمان بالوحي والدعاء بصدق اليقين
فينبغي على المؤمن أن يؤمن بالوحي على هذا النحو الذي تم ذكره في تلك المقالات، نسأل الله أن يرزقنا صدق اليقين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ما شعورك تجاه هذا المقال؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا المقال؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الموقف الصحيح للمسلم مما لم يُذكر في القرآن والسنة من أخبار الكتب السماوية السابقة؟
لا يصدقه ولا يكذبه
ما السببان اللذان يمنعان المسلم من اتباع الكتب السماوية السابقة؟
تحريفها وهيمنة القرآن عليها ونسخه للعمل بها
كم عدد الأنبياء والرسل الذين ذكرهم القرآن الكريم؟
خمسة وعشرون نبياً ورسولاً
كم عدد الأنبياء الذين ذكرتهم سورة الأنعام وحدها؟
ثمانية عشر نبياً
وفق حديث أبي ذر رضي الله عنه، كم عدد المرسلين من بين الأنبياء؟
ثلاثمائة وثلاثة عشر
ما الآية التي تدل على هيمنة القرآن على الكتب السابقة؟
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾
ما السبب الرئيسي لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة السنة في بداية الإسلام؟
خشية اختلاط القرآن بكلام النبي وإهمال الحفظ
ما الذي يدل على إذن النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة السنة في قصة أبي شاه؟
أن النبي قال: اكتبوا لأبي شاه
ما الوصف الذي أعطاه الله للنبي محمد في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾؟
أنه رحمة للعالمين
ما العلوم التي نشأت للحفاظ على القرآن الكريم؟
علم النحو والصرف والقراءات والتفسير
ما الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو حين أخبره بكتابة كل ما يسمعه؟
قال له: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق
من هم الأنبياء السبعة الذين لم يُذكروا في سورة الأنعام؟
محمد وآدم وهود وصالح وذو الكفل وشعيب وإدريس
ما معنى الوحي عند المسلمين؟
القرآن الكريم والسنة النبوية معاً
ما الذي يميز جهود المسلمين في توثيق السنة النبوية عن غيرهم؟
أنه جهد فريد لم يحدث مثله لأي نبي أو مفكر في تاريخ البشرية
ما الدليل القرآني على أن الله تكفّل بحفظ القرآن الكريم؟
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
ما الكتب السماوية التي يؤمن بها المسلم؟
يؤمن المسلم بصحف إبراهيم، والتوراة المنزلة على موسى، والزبور المنزل على داود، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن الكريم المنزل على محمد عليهم السلام.
لماذا لا يعتبر المسلم الكتب السماوية السابقة ملزمة له؟
لسببين: الأول أن الله أخبر بتحريفها، والثاني أن القرآن الكريم يهيمن عليها وينسخ العمل بشرائعها.
ما معنى هيمنة القرآن على الكتب السابقة؟
هيمنة القرآن تعني أنه المرجع الأعلى والحاكم على ما سبقه من الكتب، وأنه نسخ العمل بشرائعها حتى لو كانت غير محرفة.
ما الآية التي تثبت تحريف أهل الكتاب لكتبهم بأيديهم؟
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: 79].
كم عدد الأنبياء الذين ذكرهم القرآن الكريم؟
ذكر القرآن الكريم خمسة وعشرين نبياً ورسولاً، ثمانية عشر منهم في سورة الأنعام وحدها.
ما الدليل على أن عدد الأنبياء أكبر مما ذُكر في القرآن؟
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾، وحديث أبي ذر الذي يذكر مائة وأربعة وعشرين ألف نبي.
ما الفرق بين النبي والرسول من حيث العدد وفق الأحاديث؟
وفق حديث أبي ذر رضي الله عنه، عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والمرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر فقط.
ما الدليل الحديثي على أن النبي محمد خاتم الأنبياء؟
قوله صلى الله عليه وسلم: «إني خاتم ألف نبي أو أكثر ما بعث نبي يتبع إلا قد حذر أمته الدجال».
لماذا لا يجوز للمسلم اتباع الأنبياء السابقين في شرائعهم؟
لأن ما نُقل عنهم دخله التحريف، ولأن الله نسخ اتباعهم ببعثة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.
ما الذي قاله النبي عن موسى وعيسى لو كانا حيين؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي»، وفي رواية: «لو كان موسى وعيسى حيين ونصف حيين لما وسعهما إلا اتباعي».
ما وصف القرآن الكريم لنفسه من حيث الحفظ والعصمة؟
وصف القرآن نفسه بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتكفّل الله بحفظه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
ما دور السنة النبوية في الإسلام؟
السنة النبوية هي التطبيق المعصوم الدقيق الذي يُعلّم مناهج الوصل بين الوحي المطلق والواقع النسبي، وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن.
كيف وصل القرآن الكريم إلينا محفوظاً؟
وصل القرآن بالتواتر القاطع دون اختلال في حرف واحد، وحُفظ على مستوى الأداء الصوتي، ونشأت علوم النحو والقراءات والتفسير للحفاظ عليه.
ما مثال على عناية الصحابة الشديدة في طلب الحديث النبوي؟
رحل جابر بن عبد الله الأنصاري مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد، كما ذكره البخاري في صحيحه.
ما الأسباب التي دفعت النبي للنهي عن كتابة السنة في بداية الإسلام؟
ثلاثة أسباب: حتى لا ينشغل الصحابة بغير القرآن، وحتى لا يختلط القرآن بكلام النبي، وحتى لا يركنوا للكتابة ويهملوا الحفظ.