اكتمل ✓
الفصل 8

هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدا وما حكم زكاة الفطر في المذاهب الفقهية؟

يجوز إخراج زكاة الفطر نقودًا وهو مذهب جماعة من التابعين كالحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، ومذهب الحنفية والثوري وجماعة من المالكية. وفي عصرنا الحديث الذي انحصرت فيه وسائل التبادل في النقود، يُرجَّح هذا القول لما فيه من التيسير على الفقير وتمكينه من شراء ما يحتاجه في يوم العيد. والأصل الذي شُرعت له زكاة الفطر هو إغناء الفقير وإدخال السرور عليه في ذلك اليوم.

16 دقيقة قراءة
  • هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدا؟ الجواب: نعم، وهو مذهب التابعين كالحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والحنفية وجماعة من المالكية.

  • أدلة جواز إخراج زكاة الفطر نقدا تستند إلى آثار التابعين وفتاوى الأئمة الأوائل، وقد بلغت وجوه الترجيح عند الغماري اثنين وثلاثين وجهًا.

  • في عصرنا الذي انحصرت فيه وسائل التبادل في النقود، يُرجَّح إخراج زكاة الفطر نقودًا لما فيه من التيسير على الفقير وتمكينه من شراء ما يحتاجه.

  • من شروط وجوب الزكاة: أن يكون المال ناميًا زائدًا عن الحاجة الأصلية، بالغًا النصاب وهو 85 جرامًا من الذهب، مع حولان الحول وانتفاء الموانع.

  • يجوز إعطاء الفقير من الزكاة ما يكفيه غالب عمره وهو ستون سنة عند الشافعية، بل ذهب ابن تيمية إلى جواز إعطائه جملة واحدة ما يصير به غنيًا.

  • يجوز احتساب إسقاط الدين من زكاة المال عند الشافعية وابن حزم وجماعة، بشرط ألا يكون ذلك على سبيل الحيلة أو التواطؤ.

أقوال التابعين والأئمة الأوائل في زكاة الفطر نقدا

س71: حكم إخراج زكاة الفطر نقودا.

الجواب

يجوز إخراج زكاة الفطر نقودًا، وهو مذهب طائفة من العلماء يعتد بهم، كما أنه مذهب جماعة من التابعين، منهم: الحسن البصري فروي عنه أنه قال:

«لا بأس أن تعطي الدراهم في صدقة الفطر»

، وأبو إسحاق السبيعي ، فعن زهير قال:

«سمعت أبا إسحاق يقول: «أدركتهم وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام»

، وعمر بن عبد العزيز، فعن وكيع عن قرة قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر:

«نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته: نصف درهم»

. وهو مذهب الثوري، وأبي حنيفة، وأبي يوسف.

مذاهب الفقهاء في جواز إخراج القيمة في الزكاة

وهو مذهب الحنفية، وبه العمل والفتوى عندهم في كل زكاة، وفي الكفارات، والنذر، والخراج، وغيرها . وهو أيضًا مذهب الإمام الناصر، والمؤيد بالله، من أئمة أهل البيت الزيدية . وبه قال إسحاق بن راهويه، وأبو ثور، إلا أنهما قيدا ذلك بالضرورة، كما هو مذهب بقية أهل البيت ، أعني جواز القيمة عند الضرورة، وجعلوا منها: طلب الإمام المال بدل المنصوص.

وهو قول جماعة من المالكية كابن حبيب، وأصبغ، وابن أبي حازم، وابن دينار ، وابن وهب ، على ما يقتضيه إطلاق النفل عنهم في تجويز إخراج القيم في الزكاة، الشاملة لزكاة المال وزكاة الرؤوس، بخلاف ما نقلوه عن ابن القاسم وأشهب، من كونهما أجازا إخراج القيمة في الزكاة إلا زكاة الفطر وكفارة الأيمان.

ملاءمة القول بالقيمة لواقع النقود في العصر الحديث

وعليه، فنرى أن هناك جمعًا لا بأس به من الأئمة، والتابعين، وفقهاء الأمة ذهبوا إلى جواز إخراج قيمة زكاة الفطر نقودًا، هذا في عصورهم القديمة وقد كان نظام المقايضة موجودًا، بمعنى أن كل السلع تصلح وسائل للتبادل وخاصة الحبوب، فكان بيع القمح بالشعير، والذرة بالقمح وهكذا، أما في عصرنا وقد انحصرت وسائل التبادل في النقود وحدها، فنرى أن هذا المذهب هو الأوقع والأرجح، بل نزعم أن من خالف من العلماء قديمًا لو أدرك زماننا لقال بقول أبي حنيفة، ويظهر لنا هذا من فقههم وقوة نظرهم.

مصلحة الفقير بين دفع النقود أو العين في زكاة الفطر

كما أن إخراج زكاة الفطر نقودًا أولى للتيسير على الفقير أن يشتري أي شيء يريده في يوم العيد; لأنه قد لا يكون محتاجًا إلى الحبوب، بل هو محتاج إلى ملابس, أو لحم، أو غير ذلك، فإعطاؤه الحبوب يضطره إلى أن يطوف بالشوارع ليجد من يشتري منه الحبوب, وقد يبيعها بثمن بخس أقل من قيمتها الحقيقية، هذا كله في حالة اليسر, ووجود الحبوب بكثرة في الأسواق, أما في حالة الشدة وقلة الحبوب في الأسواق، فدفع العين أولى من القيمة مراعاة لمصلحة الفقير.

مقصد إغناء الفقير وترجيح القول بالقيمة في هذا الزمان

فالأصل الذي شرعت له زكاة الفطر مصلحة الفقير وإغناؤه في ذلك اليوم الذي يفرح فيه المسلمون، وقد ألف العلامة أحمد بن الصديق الغماري كتابًا ماتعًا في تلك المسألة أسماه «تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال»، ورجح فيه مذهب الأحناف بأدلة كثيرة، ومن أوجهة عديدة، وصلت إلى اثنين وثلاثين وجهًا؛ لذا نرى ترجيح قول من ذهب إلى إخراج قيمتها، وهو الأولى في هذا الزمان، والله تعالى أعلى وأعلم.

شروط وجوب الزكاة وبيان النصاب والحول

س72: هل يستحق إنسان فقير يمتلك مسكن معيشته تمليك الزكاة.

الجواب

يشترط في المال الذي تجب فيه الزكاة عدة شروط وهي: كونه مملوكاً لمعين، وكون ملكيته مطلقة، وكونه ناميًا، وكونه زائدًا عن الحاجات الأصلية، وحولان الحول، وبلوغه النصاب وهو 85 جرامًا من الذهب، وأن يسلم من وجود المانع كدين ونحوه.

شرطا النماء وفضل المال عن الحاجة الأصلية

والذي يهمنا في إجابة هذا السؤال شرطين وهما: النماء، وكون المال زائدًا على الحاجة الأصلية؛ حيث نص الأحناف على ذلك قال الكاساني ما نصه:

« (ومنها) كون المال ناميا؛ لأن معنى الزكاة وهو النماء لا يحصل إلا من المال النامي، ولسنا نعني به حقيقة النماء؛ لأن ذلك غير معتبر، وإنما نعني به كون المال معدًا للاستنماء بالتجارة، أو بالإسامة؛ لأن الإسامة سبب لحصول الدر والنسل والسمن، والتجارة سبب لحصول الربح فيقام السبب مقام المسبب، وتعلق الحكم به كالسفر مع المشقة، والنكاح مع الوطء، والنوم مع الحدث، ونحو ذلك.

وإن شئت قلت: ومنها كون المال فاضلا عن الحاجة الأصلية؛ لأن به يتحقق الغنى ومعنى النعمة، وهو التنعم وبه، يحصل الأداء عن طيب النفس؛ إذ المال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون صاحبه غنيًا عنه، ولا يكون نعمة، إذ التنعم لا يحصل بالقدر المحتاج إليه حاجة أصلية؛ لأنه من ضرورات حاجة البقاء، وقوام البدن، فكان شكره شكر نعمة البدن. ولا يحصل الأداء عن طيب نفس فلا يقع الأداء بالجهة المأمور بها؛ لقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم»، فلا تقع زكاة؛ إذ حقيقة الحاجة أمر باطن لا يوقف عليه، فلا يعرف الفضل عن الحاجة، فيقام دليل الفضل عن الحاجة مقامه، وهو الإعداد للإسامة والتجارة، وهذا قول عامة العلماء »

وعلى هذا فإن الزكاة لا تجب إلا على المال الزائد عن الحاجة الأصلية والذي يمكن استثماره؛ فإمكانية استثماره دليل على عدم الحاجة إليه، أما المال الذي يحتاج المسلم أن يشتري به شيئًا ضروريًا، وحاجة أصلية فلا زكاة فيه، والله تعالى أعلى وأعلم.

مقصد الإغناء وتقدير مقدار ما يعطى الفقير

س73: كم يعطى الفقير من الزكاة.

الجواب

المجتمع الإسلامي يسعى للقضاء على الفقر، والأمية، والفساد، وكل السلبيات التي تشوه صورته، فهو المجتمع الذي يدين بدين الله الخاتم، ويتبع نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ ولذلك فإن الأولى في إعطاء الفقراء من مال الزكاة أن يصل حد الإعطاء إلى درجة الإغناء؛ لما في ذلك من القضاء على فقر الفقير، ولما فيه من مشاركة هذا الفقير في العام المقبل إخوانه الأغنياء في دفع الزكاة، فيجوز إعطاء الفقير الواحد من الزكاة ما يكفيه غالب العمر يعني يمكن إعطاؤه ما يكفيه لمدة 60 سنة، وقيل بأقوال وصلت إلى مائة، كما ذكره الرملي وسيأتي، وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه قال النووي رحمه الله:

مذهب الشافعية في إعطاء الفقير كفاية العمر الغالب

« قال أصحابنا العراقيون وكثيرون من الخراسانيين: يعطيان ما يخرجهما من الحاجة إلى الغنى، وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام. وهذا هو نص الشافعي رحمه الله» .

ويؤكد ذلك ما قرره النووي في المنهاج وشرحه جلال الدين المحلي حيث قال:

«(قلت الأصح المنصوص وقول الجمهور) يعطى (كفاية العمر الغالب، فيشتري به عقارا يستغله)، ويستغني عن الزكاة (والله أعلم)، ومن يحسن الكسب بحرفة يعطى ما يشتري به آلاتها قلت قيمتها، أو كثرت، أو بتجارة يعطى ما يشتري به، مما يحسن التجارة فيه ما يفي ربحه بكفايته غالبا » .

وبيِّن الشافعية أن المراد بغالب العمر مدة ستين عامًا، فإذا كان بعدها الفقير ما زال فقيرًا يأخذ من الزكاة ما يكفيه لمدة عام واحد وهكذا، وهذا ما بينه الرملي - رحمه الله -؛ حيث:

تقدير العمر الغالب وأقوال الرملي في مقدار العطاء

« (سئل) عن قولهم يعطى الفقير من الزكاة كفاية العمر الغالب، فما حد العمر الغالب المذكور، وما قدر ما يعطى إذا جاوز العمر الغالب؟ (فأجاب) بأن حد العمر الغالب ستون سنة، فإذا جاوز العمر الغالب أعطي كفاية سنة، فإن جاوزها أعطي كفاية سنة أخرى، وهكذا يلحق بخط ولده، ووقع للوالد جواب آخر، وهو أن حد العمر الغالب ما يغلب على الظن أن ذلك الشخص لا يعيش فوقه، ولا يتقدر بمدة على الصحيح، وقيل يتقدر بسبعين سنة، وقيل بثمانين، وقيل بتسعين، وقيل بمائة، وإذا جاوز العمر الغالب أعطي كفاية سنة، فإن جاوزها أعطي كفاية سنة وهكذا» .

وهذا ما ذهب إليه كذلك ابن تيمية - رحمه الله - كما نقله عن المرداوي حيث قال:

«والشيخ تقي الدين: جواز الأخذ من الزكاة جملة واحدة ما يصير به غنيًا وإن كثر» .

وعلى ما سبق ذكره من مذهب الإمام الشافعي وغيره، نرى أنه يجوز إعطاء الفقير من زكاة المال ما يغنيه ويخرج به من مسمى الفقر، بل يجوز إعطاؤه ما يكفيه طوال عمره الغالب كما مر، والله تعالى أعلى وأعلم.

أقوال الفقهاء في حكم إسقاط الدين واحتسابه من الزكاة

س74: حكم إسقاط الدين من زكاة المال.

الجواب

ذهب الشافعية في قول، وأشهب من المالكية، وابن حزم من الظاهرية، وهو منقول عن الحسن البصري، وعطاء إلى جواز ذلك; لأنه لو دفع إليه زكاته، ثم أخذها منه عن دينه جاز فكذا هذا. فإن دفع الدائن زكاة ماله إلى مدينه فردها المدين إليه سدادا لدينه, أو استقرض المدين ما يسد به دينه، فدفعه إلى الدائن فرده إليه واحتسبه من الزكاة, فإن لم يكن ذلك حيلة, أو تواطؤًا, أو قصدًا لإحياء ماله, جاز عند الجمهور, وهو قول عند المالكية. وإن كان على سبيل الحيلة لم يجز عند المالكية والحنابلة, وجاز عند الشافعية ما لم يكن ذلك عن شرط واتفاق.

نص ابن حزم واستدلاله بحديث أبي سعيد في إسقاط الدين

قال ابن حزم الظاهري رحمه الله:

« ومن كان له دين على بعض أهل الصدقات - وكان ذلك الدين برًا, أو شعيرًا, أو ذهبًا, أو فضةً, أو ماشيةً - فتصدق عليه بدينه قبله, ونوى بذلك أنه من زكاته أجزأه ذلك, وكذلك لو تصدق بذلك الدين على من يستحقه، وأحاله به على من هو له عنده، ونوى بذلك الزكاة فإنه يجزئه، برهان ذلك: أنه مأمور بالصدقة الواجبة, وبأن يتصدق على أهل الصدقات من زكاته الواجبة بما عليه منها, فإذا كان إبراؤه من الدين يسمى صدقة فقد أجزأه. عن أبي سعيد الخدري قال: «أصيب رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه, فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تصدقوا عليه» وذكر الحديث. وهو قول عطاء بن أبي رباح وغيره» .

وعلى هذا لا نرى مانعًا من احتساب إسقاط الدين من زكاة المال، وإن كان من الأولى خروجًا من الخلاف أن ينظره، أو يتجاوز عنه صدقة لله دون الزكاة، أو يسلمها له، وله أن يأخذها منه بعد ذلك، حتى ولو كانت بعينها منعًا للاحتيال الذي قد يفعله بعضهم، خاصة في مجال التجارة بين التجار، والله تعالى أعلى وأعلم.

إعادة أقوال التابعين والأئمة الأوائل في زكاة الفطر نقدا

** س71: حكم إخراج زكاة الفطر نقودا.**

الجواب

يجوز إخراج زكاة الفطر نقودًا، وهو مذهب طائفة من العلماء يعتد بهم، كما أنه مذهب جماعة من التابعين، منهم: الحسن البصري فروي عنه أنه قال:

«لا بأس أن تعطي الدراهم في صدقة الفطر»

، وأبو إسحاق السبيعي ، فعن زهير قال:

«سمعت أبا إسحاق يقول: «أدركتهم وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام»

، وعمر بن عبد العزيز، فعن وكيع عن قرة قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر:

«نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته: نصف درهم»

. وهو مذهب الثوري، وأبي حنيفة، وأبي يوسف.

إعادة عرض مذاهب الفقهاء في إخراج القيمة بالزكاة

وهو مذهب الحنفية، وبه العمل والفتوى عندهم في كل زكاة، وفي الكفارات، والنذر، والخراج، وغيرها . وهو أيضًا مذهب الإمام الناصر، والمؤيد بالله، من أئمة أهل البيت الزيدية . وبه قال إسحاق بن راهويه، وأبو ثور، إلا أنهما قيدا ذلك بالضرورة، كما هو مذهب بقية أهل البيت ، أعني جواز القيمة عند الضرورة، وجعلوا منها: طلب الإمام المال بدل المنصوص.

وهو قول جماعة من المالكية كابن حبيب، وأصبغ، وابن أبي حازم، وابن دينار ، وابن وهب ، على ما يقتضيه إطلاق النفل عنهم في تجويز إخراج القيم في الزكاة، الشاملة لزكاة المال وزكاة الرؤوس، بخلاف ما نقلوه عن ابن القاسم وأشهب، من كونهما أجازا إخراج القيمة في الزكاة إلا زكاة الفطر وكفارة الأيمان.

إعادة تأكيد ملاءمة إخراج القيمة لواقع المعاملات

وعليه، فنرى أن هناك جمعًا لا بأس به من الأئمة، والتابعين، وفقهاء الأمة ذهبوا إلى جواز إخراج قيمة زكاة الفطر نقودًا، هذا في عصورهم القديمة وقد كان نظام المقايضة موجودًا، بمعنى أن كل السلع تصلح وسائل للتبادل وخاصة الحبوب، فكان بيع القمح بالشعير، والذرة بالقمح وهكذا، أما في عصرنا وقد انحصرت وسائل التبادل في النقود وحدها، فنرى أن هذا المذهب هو الأوقع والأرجح، بل نزعم أن من خالف من العلماء قديمًا لو أدرك زماننا لقال بقول أبي حنيفة، ويظهر لنا هذا من فقههم وقوة نظرهم.

تكرار بيان مصلحة الفقير في دفع النقود أو العين

كما أن إخراج زكاة الفطر نقودًا أولى للتيسير على الفقير أن يشتري أي شيء يريده في يوم العيد; لأنه قد لا يكون محتاجًا إلى الحبوب، بل هو محتاج إلى ملابس, أو لحم، أو غير ذلك، فإعطاؤه الحبوب يضطره إلى أن يطوف بالشوارع ليجد من يشتري منه الحبوب, وقد يبيعها بثمن بخس أقل من قيمتها الحقيقية، هذا كله في حالة اليسر, ووجود الحبوب بكثرة في الأسواق, أما في حالة الشدة وقلة الحبوب في الأسواق، فدفع العين أولى من القيمة مراعاة لمصلحة الفقير.

إعادة ترسيخ مقصد الإغناء وترجيح مذهب الأحناف

فالأصل الذي شرعت له زكاة الفطر مصلحة الفقير وإغناؤه في ذلك اليوم الذي يفرح فيه المسلمون، وقد ألف العلامة أحمد بن الصديق الغماري كتابًا ماتعًا في تلك المسألة أسماه «تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال»، ورجح فيه مذهب الأحناف بأدلة كثيرة، ومن أوجهة عديدة، وصلت إلى اثنين وثلاثين وجهًا؛ لذا نرى ترجيح قول من ذهب إلى إخراج قيمتها، وهو الأولى في هذا الزمان، والله تعالى أعلى وأعلم.

إعادة شروط وجوب الزكاة على المال

س72: هل يستحق إنسان فقير يمتلك مسكن معيشته تمليك الزكاة.

الجواب

يشترط في المال الذي تجب فيه الزكاة عدة شروط وهي: كونه مملوكاً لمعين، وكون ملكيته مطلقة، وكونه ناميًا، وكونه زائدًا عن الحاجات الأصلية، وحولان الحول، وبلوغه النصاب وهو 85 جرامًا من الذهب، وأن يسلم من وجود المانع كدين ونحوه.

إعادة توضيح النماء والحاجة الأصلية في الزكاة

والذي يهمنا في إجابة هذا السؤال شرطين وهما: النماء، وكون المال زائدًا على الحاجة الأصلية؛ حيث نص الأحناف على ذلك قال الكاساني ما نصه:

« (ومنها) كون المال ناميا؛ لأن معنى الزكاة وهو النماء لا يحصل إلا من المال النامي، ولسنا نعني به حقيقة النماء؛ لأن ذلك غير معتبر، وإنما نعني به كون المال معدًا للاستنماء بالتجارة، أو بالإسامة؛ لأن الإسامة سبب لحصول الدر والنسل والسمن، والتجارة سبب لحصول الربح فيقام السبب مقام المسبب، وتعلق الحكم به كالسفر مع المشقة، والنكاح مع الوطء، والنوم مع الحدث، ونحو ذلك.

وإن شئت قلت: ومنها كون المال فاضلا عن الحاجة الأصلية؛ لأن به يتحقق الغنى ومعنى النعمة، وهو التنعم وبه، يحصل الأداء عن طيب النفس؛ إذ المال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون صاحبه غنيًا عنه، ولا يكون نعمة، إذ التنعم لا يحصل بالقدر المحتاج إليه حاجة أصلية؛ لأنه من ضرورات حاجة البقاء، وقوام البدن، فكان شكره شكر نعمة البدن. ولا يحصل الأداء عن طيب نفس فلا يقع الأداء بالجهة المأمور بها؛ لقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم»، فلا تقع زكاة؛ إذ حقيقة الحاجة أمر باطن لا يوقف عليه، فلا يعرف الفضل عن الحاجة، فيقام دليل الفضل عن الحاجة مقامه، وهو الإعداد للإسامة والتجارة، وهذا قول عامة العلماء »

وعلى هذا فإن الزكاة لا تجب إلا على المال الزائد عن الحاجة الأصلية والذي يمكن استثماره؛ فإمكانية استثماره دليل على عدم الحاجة إليه، أما المال الذي يحتاج المسلم أن يشتري به شيئًا ضروريًا، وحاجة أصلية فلا زكاة فيه، والله تعالى أعلى وأعلم.

إعادة بيان مقصد الإغناء في مقدار ما يعطى الفقير

س73: كم يعطى الفقير من الزكاة.

الجواب

المجتمع الإسلامي يسعى للقضاء على الفقر، والأمية، والفساد، وكل السلبيات التي تشوه صورته، فهو المجتمع الذي يدين بدين الله الخاتم، ويتبع نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ ولذلك فإن الأولى في إعطاء الفقراء من مال الزكاة أن يصل حد الإعطاء إلى درجة الإغناء؛ لما في ذلك من القضاء على فقر الفقير، ولما فيه من مشاركة هذا الفقير في العام المقبل إخوانه الأغنياء في دفع الزكاة، فيجوز إعطاء الفقير الواحد من الزكاة ما يكفيه غالب العمر يعني يمكن إعطاؤه ما يكفيه لمدة 60 سنة، وقيل بأقوال وصلت إلى مائة، كما ذكره الرملي وسيأتي، وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه قال النووي رحمه الله:

إعادة نص النووي في كفاية العمر الغالب للفقير

« قال أصحابنا العراقيون وكثيرون من الخراسانيين: يعطيان ما يخرجهما من الحاجة إلى الغنى، وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام. وهذا هو نص الشافعي رحمه الله» .

ويؤكد ذلك ما قرره النووي في المنهاج وشرحه جلال الدين المحلي حيث قال:

«(قلت الأصح المنصوص وقول الجمهور) يعطى (كفاية العمر الغالب، فيشتري به عقارا يستغله)، ويستغني عن الزكاة (والله أعلم)، ومن يحسن الكسب بحرفة يعطى ما يشتري به آلاتها قلت قيمتها، أو كثرت، أو بتجارة يعطى ما يشتري به، مما يحسن التجارة فيه ما يفي ربحه بكفايته غالبا » .

وبيِّن الشافعية أن المراد بغالب العمر مدة ستين عامًا، فإذا كان بعدها الفقير ما زال فقيرًا يأخذ من الزكاة ما يكفيه لمدة عام واحد وهكذا، وهذا ما بينه الرملي - رحمه الله -؛ حيث:

إعادة أقوال الرملي وابن تيمية في مقدار العطاء

« (سئل) عن قولهم يعطى الفقير من الزكاة كفاية العمر الغالب، فما حد العمر الغالب المذكور، وما قدر ما يعطى إذا جاوز العمر الغالب؟ (فأجاب) بأن حد العمر الغالب ستون سنة، فإذا جاوز العمر الغالب أعطي كفاية سنة، فإن جاوزها أعطي كفاية سنة أخرى، وهكذا يلحق بخط ولده، ووقع للوالد جواب آخر، وهو أن حد العمر الغالب ما يغلب على الظن أن ذلك الشخص لا يعيش فوقه، ولا يتقدر بمدة على الصحيح، وقيل يتقدر بسبعين سنة، وقيل بثمانين، وقيل بتسعين، وقيل بمائة، وإذا جاوز العمر الغالب أعطي كفاية سنة، فإن جاوزها أعطي كفاية سنة وهكذا» .

وهذا ما ذهب إليه كذلك ابن تيمية - رحمه الله - كما نقله عن المرداوي حيث قال:

«والشيخ تقي الدين: جواز الأخذ من الزكاة جملة واحدة ما يصير به غنيًا وإن كثر» .

وعلى ما سبق ذكره من مذهب الإمام الشافعي وغيره، نرى أنه يجوز إعطاء الفقير من زكاة المال ما يغنيه ويخرج به من مسمى الفقر، بل يجوز إعطاؤه ما يكفيه طوال عمره الغالب كما مر، والله تعالى أعلى وأعلم.

إعادة أقوال الفقهاء في إسقاط الدين من الزكاة

س74: حكم إسقاط الدين من زكاة المال.

الجواب

ذهب الشافعية في قول، وأشهب من المالكية, وابن حزم من الظاهرية، وهو منقول عن الحسن البصري، وعطاء إلى جواز ذلك; لأنه لو دفع إليه زكاته، ثم أخذها منه عن دينه جاز فكذا هذا. فإن دفع الدائن زكاة ماله إلى مدينه فردها المدين إليه سدادا لدينه, أو استقرض المدين ما يسد به دينه، فدفعه إلى الدائن فرده إليه واحتسبه من الزكاة, فإن لم يكن ذلك حيلة, أو تواطؤًا, أو قصدًا لإحياء ماله, جاز عند الجمهور, وهو قول عند المالكية. وإن كان على سبيل الحيلة لم يجز عند المالكية والحنابلة, وجاز عند الشافعية ما لم يكن ذلك عن شرط واتفاق.

إعادة نص ابن حزم وخاتمة حكم إسقاط الدين من الزكاة

قال ابن حزم الظاهري رحمه الله:

« ومن كان له دين على بعض أهل الصدقات - وكان ذلك الدين برًا, أو شعيرًا, أو ذهبًا, أو فضةً, أو ماشيةً - فتصدق عليه بدينه قبله, ونوى بذلك أنه من زكاته أجزأه ذلك, وكذلك لو تصدق بذلك الدين على من يستحقه، وأحاله به على من هو له عنده، ونوى بذلك الزكاة فإنه يجزئه، برهان ذلك: أنه مأمور بالصدقة الواجبة, وبأن يتصدق على أهل الصدقات من زكاته الواجبة بما عليه منها, فإذا كان إبراؤه من الدين يسمى صدقة فقد أجزأه. عن أبي سعيد الخدري قال: «أصيب رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه, فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تصدقوا عليه» وذكر الحديث. وهو قول عطاء بن أبي رباح وغيره» .

وعلى هذا لا نرى مانعًا من احتساب إسقاط الدين من زكاة المال، وإن كان من الأولى خروجًا من الخلاف أن ينظره، أو يتجاوز عنه صدقة لله دون الزكاة، أو يسلمها له، وله أن يأخذها منه بعد ذلك، حتى ولو كانت بعينها منعًا للاحتيال الذي قد يفعله بعضهم، خاصة في مجال التجارة بين التجار، والله تعالى أعلى وأعلم.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

من التابعين الذين أجازوا إخراج زكاة الفطر نقودًا؟

الحسن البصري

ما الذي نصّ عليه كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر؟

جواز دفع نصف درهم قيمةً عن نصف صاع

ما موقف الحنفية من إخراج القيمة في الزكاة؟

يجيزونه في كل زكاة وكفارة ونذر وخراج

ما الشرط الذي قيّد به إسحاق بن راهويه وأبو ثور جواز إخراج القيمة في الزكاة؟

الضرورة

ما النصاب المقرر لوجوب الزكاة في الذهب؟

85 جرامًا

ما المقصود بشرط النماء في وجوب الزكاة عند الحنفية؟

أن يكون المال معدًّا للاستنماء بالتجارة أو الإسامة

ما الحد الأقصى الذي يجوز إعطاؤه للفقير من الزكاة وفق مذهب الشافعية؟

ما يكفيه كفاية العمر الغالب

كم حدّد الرملي مدة العمر الغالب في مسألة إعطاء الفقير من الزكاة؟

ستون سنة

ما موقف ابن تيمية من مقدار ما يُعطى الفقير من الزكاة؟

يجوز إعطاؤه جملة واحدة ما يصير به غنيًا وإن كثر

ما الحكم عند المالكية والحنابلة إذا كان احتساب إسقاط الدين من الزكاة على سبيل الحيلة؟

لا يجوز

بماذا استدل ابن حزم على جواز إسقاط الدين من الزكاة؟

بحديث أبي سعيد الخدري في التصدق على المدين

ما الكتاب الذي ألّفه أحمد بن الصديق الغماري في مسألة إخراج زكاة الفطر نقودًا؟

تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال

في أي حالة يكون دفع العين في زكاة الفطر أولى من دفع النقود؟

عند الشدة وقلة الحبوب في الأسواق

ما الذي يحدث للفقير الذي يتجاوز العمر الغالب وهو لا يزال فقيرًا وفق مذهب الشافعية؟

يُعطى كفاية سنة واحدة ثم يُعاد النظر في حاله

ما الأولى عملًا في مسألة إسقاط الدين من الزكاة خروجًا من الخلاف؟

إنظار المدين أو التجاوز عنه صدقةً لله دون الزكاة

ما قول الحسن البصري في إخراج زكاة الفطر نقودًا؟

قال الحسن البصري: «لا بأس أن تعطي الدراهم في صدقة الفطر»، وهو من أوائل التابعين الذين أجازوا ذلك.

ما الذي أدركه أبو إسحاق السبيعي في عمل الناس بشأن زكاة الفطر؟

أدرك أبو إسحاق السبيعي الناس يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام، مما يدل على جواز إخراج زكاة الفطر نقدا.

ما موقف الحنفية من إخراج القيمة في الزكاة والكفارات؟

الحنفية يجيزون إخراج القيمة في كل زكاة وكفارة ونذر وخراج مطلقًا، وهو العمل والفتوى عندهم.

لماذا يُرجَّح إخراج زكاة الفطر نقدا في العصر الحديث؟

لأن وسائل التبادل في عصرنا انحصرت في النقود وحدها، خلافًا للعصور القديمة التي كان فيها نظام المقايضة بالحبوب قائمًا.

ما الأصل الذي شُرعت له زكاة الفطر؟

الأصل الذي شُرعت له زكاة الفطر هو مصلحة الفقير وإغناؤه في يوم العيد الذي يفرح فيه المسلمون.

ما شروط وجوب الزكاة في المال؟

شروط وجوب الزكاة: أن يكون المال مملوكًا لمعين بملكية مطلقة، وناميًا، وزائدًا عن الحاجات الأصلية، وأن يحول عليه الحول، وأن يبلغ النصاب 85 جرامًا من الذهب، وأن يسلم من الموانع كالدين.

ما المقصود بكون المال زائدًا عن الحاجة الأصلية في شروط الزكاة؟

يعني أن المال المحتاج إليه لضرورات البقاء كالمسكن والملبس والمأكل لا تجب فيه الزكاة، لأن صاحبه لا يُعدّ غنيًا عنه.

ما مذهب الشافعية في مقدار ما يُعطى الفقير من الزكاة؟

الشافعية يرون إعطاء الفقير كفاية العمر الغالب وهو ستون سنة، فيشتري به عقارًا يستغله ويستغني عن الزكاة.

ما الذي يُعطاه الفقير من الزكاة إذا تجاوز العمر الغالب وهو لا يزال فقيرًا؟

إذا تجاوز الفقير العمر الغالب وهو لا يزال فقيرًا أُعطي كفاية سنة واحدة، فإن تجاوزها أُعطي كفاية سنة أخرى وهكذا.

ما قول ابن تيمية في مقدار ما يُعطى الفقير من الزكاة؟

ذهب ابن تيمية إلى جواز الأخذ من الزكاة جملة واحدة ما يصير به الفقير غنيًا وإن كثر المبلغ.

من الفقهاء الذين أجازوا احتساب إسقاط الدين من الزكاة؟

أجازه الشافعية في قول، وأشهب من المالكية، وابن حزم من الظاهرية، وهو منقول عن الحسن البصري وعطاء.

ما الشرط الأساسي لجواز احتساب إسقاط الدين من الزكاة عند الجمهور؟

الشرط الأساسي هو ألا يكون ذلك على سبيل الحيلة أو التواطؤ أو قصد إحياء المال.

كم بلغت وجوه ترجيح الغماري لمذهب الأحناف في إخراج زكاة الفطر نقودًا؟

بلغت وجوه الترجيح عند الغماري في كتابه «تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال» اثنين وثلاثين وجهًا.

ما موقف ابن القاسم وأشهب من إخراج القيمة في زكاة الفطر؟

أجاز ابن القاسم وأشهب إخراج القيمة في الزكاة عمومًا، لكنهما استثنيا زكاة الفطر وكفارة الأيمان فلم يجيزا فيهما إخراج القيمة.

ما الحكمة من إعطاء الفقير من الزكاة ما يُغنيه بدلًا من الاكتفاء بكفاية سنة؟

الحكمة هي القضاء على فقر الفقير نهائيًا وتمكينه من المشاركة في دفع الزكاة مستقبلًا مع إخوانه الأغنياء.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!