اكتمل ✓
الفصل 5

ما أسباب حروب العرب قبل الإسلام وكيف نظّم الإسلام الجهاد والدفاع عن النفس؟

حروب العرب قبل الإسلام المعروفة بأيام العرب نشبت لأسباب تافهة ودامت عشرات السنين بسبب العصبية العمياء والحماسة المتهورة. لما قامت الدولة النبوية في المدينة أذن الله للمسلمين بالقتال دفاعاً عن أنفسهم ودينهم بعد أن ظل ممنوعاً طوال العهد المكي. والإسلام لم يشرع الحرب لذاتها، بل قبل السلم متى جنح إليه الخصوم، كما في قوله تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها.

4 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن تندلع حرب تمتد لعشرات السنين بسبب ناقة أو خلاف تافه؟ هذا ما وثّقته أيام العرب في الجاهلية.

  • أيام العرب ملاحم قتالية عديدة كالبسوس وداحس والغبراء نشبت قبل الإسلام بدوافع العصبية والحماسة المتهورة.

  • وصف الشاعر زهير بن أبي سلمى في معلقته آثار الحرب بين عبس وذبيان من فناء وخراب وترمل نساء وتيتم أطفال.

  • لما أسس النبي دولته في المدينة بعد ثلاثة عشر عاماً من الدعوة السلمية، أذن الله للمسلمين بالقتال دفاعاً عن أنفسهم ودينهم.

  • الإسلام لم يشرع الجهاد لذاته بل لحماية الحق والعدل، ونهى عن العدوان حتى في حالة الدفاع المشروع.

  • القرآن الكريم أقرّ مبدأ السلم العالمي مسبقاً بقوله: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها، دليلاً على أن الحرب ليست غاية في الإسلام.

ايام العرب كملاحم قتالية واسباب ونتائج حروب الجاهلية

سجلت كتب التاريخ والأدب العربي ما اشتهر وعرف بأيام العرب، وهي عبارة عن مجموعة من الملاحم القتالية التي نشبت بين العرب قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وليس يعنينا سرد هذه الملاحم وتفاصيلها ولكن الذي يعنينا هنا ان نقف على بعض الجوانب التي تصلح للمقارنة ( الأسباب ـ الزمن المستغرق ـ الاثار التي خلفتها هذه الحروب )

قال العلامة محمد امين البغدادي:

" اعلم أن الحروب الواقعة بين العرب في الجاهلية أكثر من أن تحصر ومنه عدة وقائع مشهورة لايتسع هذا الموضع لذكرها ولنذكر بعضا منها على سبيل الإجمال "

وقد ذكرت كتب التواريخ أياما للعرب غير ذلك (البسوس ـ وداحس والغبراء ـ يوم النسار ـ يوم الجفار ـ يوم الفجار ـ يوم ذي قار ـ يوم شعب جبلة ـ يوم رحرحان....... إلخ ) والمتأمل في هذه الملاحم والأيام يرى أن الحماسة الشديدة والعصبية العمياء وعدم الاكتراث بعواقب الأمور والشجاعة المتهورة التي لا تتسم بالعقل كانت هي الوقود المحرك لهذه الحروب هذا فضلا عن تفاهة الأسباب التي قامت من اجلها هذه المجازر، والمدة الزمانية الطويلة التي استمرت في بعضها عشرات السنين والاثار الرهيبة التي خلفتها هذه الحروب، وعلى الرغم من أننا لم نقف على إحصاء دقيق لما خلفته هذه الحروب إلا أن الكلمات التي قيلت في وصف آثارها من الفناء والخراب وتيتم الأطفال وترمل النساء.... إلخ لتوقفنا على مدى ما أحدثته الحرب في نفوس الناس من اليأس والشؤم،

تصوير زهير لاثار الحرب بين عبس وذبيان والتمهيد للجهاد

ويصف لنا الشاعر زهير بن أبي سلمى طرفا من ذلك في معلقته المشهورة وهو يخاطب الساعين للسلام بين عبس وذبيان:

تداركتما عبسا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم

فهو يقول للساعين للسلام: أنكما بتحملكما ديات الحرب من مالكما، أنقذتما عبسا وذبيان بعدما يأسوا، ودقوا بينهما عطر منشم، ومنشم هو اسم لامرأة كانت تبيع العطر يضرب بها المثل في التشآؤم، دليل على عظم اليأس الذي أصاب نفوس الناس من انتهاء هذه الحرب.

هذه إطلالة سريعة ومختصرة على الحروب وأسبابها لدى العرب قبل الإسلام والآن نشرع في الكلام على تشريع الجهاد في الإسلام ثم نتبع ذلك بتحليل موثق لغزوات النبي صلى الله عليه وسلم.

ظروف تاسيس الدولة النبوية وضرورة الدفاع المسلح في المدينة

الجهاد في شرعة الإسلام:

لما استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأسس حكومته النبوية بها، بعد ثلاثة عشر عاما من الدعوة إلى الله وتحمل الأذى والعذاب في سبيل ذلك تخللتها ثلاث هجرات جماعية كبيرة ـ هاجت ثائرة قريش وحقدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أحرزه من استقرار ونجاح لهذه الدولة الوليدة ـ دون ظلم أو استبداد أو سفك للدماء ـ ولذلك فقد كان صلى الله عليه وسلم مقصودا بالقتل، إذ ليس معقولا أن تنام أعينهم على هذا التقدم والنمو، ومصالحهم قائمة على الزعامة الدينية في جزيرة العرب، وهذه الدولة الجديدة قائمة على أساس ديني ربما يكون سببا في زوال هذه الزعامة الدينية الوثنية الموروثة.

وإذا كان الإسلام دينا بلغت الميول السلمية فيه مداها في قوله تعالى

" فاصفح عنهم وقل سلام "

إلا إن الميول السلمية لا تتسع لمنع القائمين بهذا الدين الجديد من الدفاع عن أنفسهم وعن دينهم الذي أنزله الله للإنسانية كآفة، في عالم يضيع فيه الحق والعدل إن لم يكن لهما قوة تحميهما، فكان لامناص من من السماح للمسلمين بحماية أنفسهم ودينهم بالسلاح الذي يشهره خصومهم في وجوههم، ولذلك كان التعبير بقوله تعالى

اية الاذن بالقتال ودلالتها على طروء تشريع الجهاد

" أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز "

أقول كان التعبير بالإذن الذي يدل على المنع قبل نزول الاية يدل على طروء القتال في الإسلام وأنه ظل ممنوعا طيلة العهد المكي وبعضا من العهد المدني.

منع العدوان وسنة التدافع وتنازع البقاء في رؤية اسلامية

(هذا ولم يغفل الإسلام حتى في هذا الموطن ـ موطن الدفاع عن النفس والدين ـ أن ينصح لأتباعه بعدم العدوان؛ لأن الموضوع حماية حق لا موضوع انتقام ولا شفاء حزازات الصدور، وهذا من مميزات الحكومة النبوية فإن القائم عليها من نبي يكون كالجراح يضع مشرطه حيث يوجد الداء لاستئصاله، مع عدم المساس بالأعضاء السليمة، ومقصده استبقاء حياة المريض لا قتله، والعالم كله في نظر الحكومة النبوية شخص مريض تعمل لاستدامة وجوده سليما قويا.... إن طبيعة هذا العالم مبنية على التدافع والتغالب ليس فيما بين الناس فحسب، ولكن فيما بينهم وبين الوجود المحيط بهم، وبين كل فرد والعوامل المتسلطة عليه من نفسه ولا أظن أن قارئا من قرائنا يجهل الناموس الذي اكتشفه دارون وروسل ولاس ودعواه ناموس تنازع البقاء وبنوا عليه كل تطور أصاب الأنواع النباتية والحيوانية والإنسان أيضا )

مثال اضطهاد النصارى وظهور حماية قسطنطين بالسيف

" ألم تر كيف تصدى خصوم الدين النصراني للمسيح وما كان يدعو إلا للصلاح والسلام حتى إنهم استصدروا أمرا بصلبه فنجاه الله منهم، وما زالوا بالذين اتبعوه يضطهدونهم ويقتلونهم حتى مضت ثلاثة قرون وهم مشردون في الأرض لا تجمعهم جامعة، إلى أن حماهم من أعدائهم السيف على يد الأمبراطور قسطنطين الذي أعمل السيف في الوثنيين من أعدائهم....... أفيريد مثيرو هذه الشبهة أن يقوم دين على غير السنن الطبيعية في عالم مبني على سنن التدافع والتمنازع واستخدام القوة الحيوانية لطمس معالم الحق ودك صروح العدل "

قبول السلم العالمي واثبات ان الحرب ليست غاية في الاسلام

" يقول المعترضون: وماذا أعددتم من حجة حين تجمع الأمم على إبطال الحروب وحسم منازعاتها عن طريق التحكيم، وهذا قرآنكم يدعوكم إلى الجهاد وحثكم على الاستبسال فيه ؟

نقول: أعددنا لهذا العهد قوله تعالى:

" وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم " الأنفال ـ61

"هذه حكمة بالغة من القرآن، بل هذه معجزة من معجزاته الخالدة، وهي أدل دليل على أنه لم يشرع الحرب لذاتها ن ولكن لأنها من عوامل الاجتماع التي لابد منها ما دام الإنسان في عقليته ونفسيته المأثورتين عنه، غير أنه لم ينف أن يحدث تطور عالمي يتفق فيه على إبطال الحرب فصرح بهذا الحكم قبل حدوثه ليكون حجة لأهله من ناحية، وليدل على أنه لا يريد الحرب لذاتها من ناحية أخرى، ولو كان يريدها لذاتها لما نوه لهذا الحكم "

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

بماذا تُعرَّف أيام العرب في كتب التاريخ والأدب العربي؟

مجموعة من الملاحم القتالية التي نشبت بين العرب قبل الإسلام

ما الوقود المحرك الرئيسي لحروب الجاهلية وفق ما وثّقته الملاحم العربية؟

العصبية العمياء والحماسة المتهورة التي لا تتسم بالعقل

من هو الشاعر الذي وصف آثار الحرب بين عبس وذبيان في معلقته المشهورة؟

زهير بن أبي سلمى

ما معنى قول زهير: ودقوا بينهم عطر منشم؟

بلغوا أشد درجات اليأس والتشاؤم من انتهاء الحرب

كم عاماً استمرت الدعوة الإسلامية السلمية قبل أن يُؤذن للمسلمين بالقتال؟

ثلاثة عشر عاماً

ماذا تدل صيغة الإذن في آية: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا؟

أن القتال كان ممنوعاً قبل نزول هذه الآية

بماذا شبّه الكاتب الحكومة النبوية في تعاملها مع الأعداء؟

بالجراح الذي يضع مشرطه حيث يوجد الداء لاستئصاله دون المساس بالأعضاء السليمة

من العالم الذي اكتشف ناموس تنازع البقاء الذي استشهد به الكاتب؟

داروين وراسل والاس

كم قرناً استمر اضطهاد النصارى قبل أن يحميهم قسطنطين؟

ثلاثة قرون

ما الآية القرآنية التي استشهد بها الكاتب دليلاً على قبول الإسلام للسلم العالمي؟

وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله

في أي سورة وردت آية: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها؟

سورة الأنفال

ما الهدف الأساسي من تشريع الجهاد في الإسلام وفق المحتوى؟

حماية الحق والعدل والدفاع عن النفس والدين

ما الذي يدل على أن الإسلام لا يريد الحرب لذاتها وفق الحجة المذكورة؟

تصريح القرآن بقبول السلم قبل حدوث التطور العالمي نحوه

ما المقصود بأيام العرب؟

هي مجموعة من الملاحم القتالية التي نشبت بين العرب قبل مبعث النبي، وقد سجّلتها كتب التاريخ والأدب العربي.

ما أبرز سمات حروب الجاهلية التي جعلتها مدمرة؟

الحماسة الشديدة والعصبية العمياء وعدم الاكتراث بعواقب الأمور، فضلاً عن تفاهة أسبابها ومدتها الزمنية الطويلة التي بلغت عشرات السنين.

ما الآثار التي خلّفتها حروب الجاهلية على المجتمع العربي؟

خلّفت فناءً وخراباً وتيتم الأطفال وترمل النساء، وأورثت نفوس الناس اليأس والشؤم.

من هي منشم التي ذكرها زهير في معلقته؟

منشم امرأة كانت تبيع العطر يُضرب بها المثل في التشاؤم، واستخدمها زهير دليلاً على عمق اليأس الذي أصاب الناس من الحرب بين عبس وذبيان.

ما الذي أثار حقد قريش على الدولة النبوية في المدينة؟

ما أحرزته الدولة الوليدة من استقرار ونجاح دون ظلم أو سفك دماء، مما هدّد الزعامة الدينية الوثنية لقريش في جزيرة العرب.

ما دلالة كلمة الإذن في آية: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا؟

تدل على أن القتال كان ممنوعاً قبل نزول الآية، وأن الجهاد طرأ على التشريع الإسلامي ولم يكن أصلاً فيه منذ البداية.

متى ظل القتال ممنوعاً في الإسلام؟

ظل ممنوعاً طوال العهد المكي وبعضاً من العهد المدني، حتى نزل الإذن به دفاعاً عن المسلمين المظلومين.

ما الفرق بين الجهاد الإسلامي وحروب الجاهلية من حيث الهدف؟

حروب الجاهلية كانت للانتقام وشفاء الأحقاد، أما الجهاد الإسلامي فهو لحماية الحق والعدل والدفاع عن النفس والدين، مع النهي الصريح عن العدوان.

ما ناموس تنازع البقاء الذي استشهد به الكاتب؟

هو الناموس الذي اكتشفه داروين وراسل والاس، ويقوم على أن الطبيعة مبنية على التدافع والتغالب بين الكائنات، وقد بنوا عليه كل تطور أصاب الأنواع النباتية والحيوانية والإنسان.

ما الدرس الذي يستخلصه الكاتب من قصة اضطهاد النصارى؟

أن الدين لا يمكن أن يقوم ويستمر في عالم مبني على سنن التدافع والقوة دون أن تكون له قوة تحميه، كما حمى السيف النصارى على يد قسطنطين بعد ثلاثة قرون من الاضطهاد.

ما الحجة القرآنية التي يرد بها الكاتب على من يعترض على الجهاد في عصر السلم العالمي؟

آية: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها، التي تدل على أن الإسلام أعلن مسبقاً قبوله للسلم العالمي، وهو دليل على أنه لم يشرع الحرب لذاتها.

ما وصف الكاتب للحكومة النبوية في تعاملها مع الأعداء؟

شبّهها بالجراح الذي يضع مشرطه حيث يوجد الداء لاستئصاله دون المساس بالأعضاء السليمة، مقصده استبقاء حياة المريض لا قتله.

ما الآية التي تدل على الميول السلمية للإسلام في العهد المكي؟

قوله تعالى: فاصفح عنهم وقل سلام، وهي تعبير عن بلوغ الميول السلمية مداها في الإسلام.

لماذا وصف الكاتب آية الجنوح للسلم بأنها معجزة قرآنية خالدة؟

لأن القرآن صرّح بهذا الحكم قبل حدوث التطور العالمي نحو إبطال الحروب، مما يدل على أنه لا يريد الحرب لذاتها ويرحّب بأي اتفاق عالمي على السلم.

كم هجرة جماعية كبرى سبقت تأسيس الدولة النبوية في المدينة؟

ثلاث هجرات جماعية كبرى تخللت سنوات الدعوة الثلاثة عشر قبل الاستقرار في المدينة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!