اكتمل ✓

ما معنى التوكل على الله وكيف يحرر الإنسان من الخوف ويبني إنسان الحضارة؟

معنى التوكل على الله هو التخلي عن الاعتماد على كل ما سوى الله، والتعلق به وحده في جميع الحوائج، مع اليقين بأنه لا مالك ولا قادر في الكون إلا الله. هذا اليقين يُفضي إلى عدم الخوف من أحد من المخلوقين، لأنه لا ملك لهم ولا قدرة ذاتية. وثمرة ذلك تحقيق التوحيد العملي في القلب، وبناء إنسان الحضارة الذي لا يلتجئ إلا إلى الله.

ما معنى التوكل على الله وكيف يحرر الإنسان من الخوف ويبني إنسان الحضارة؟
ما معنى التوكل على الله وكيف يحرر الإنسان من الخوف ويبني إنسان الحضارة؟
3 دقائق قراءة
  • كيف تُحرر الإنسان من الخوف وتبني حضارته بآية قرآنية واحدة من سورة البقرة؟

  • آية (لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) دستور شامل يلخص طريق المسلم في جميع أحواله.

  • ملك الله للسموات والأرض يعني أن لا أثر حقيقي لأي مخلوق في الكون، وما يظهر من قدرة المخلوق هو فعل الله أظهره عليه.

  • التوكل على الله يقتضي جانبين متلازمين: التخلي عن كل ما سوى الله، والتحلي بالاعتماد عليه وحده.

  • حتى سيدنا محمد ﷺ أخبره الله بأنه لا يملك من الأمر شيئاً، مما يؤكد انفراد الله بالملك والقدرة.

  • إنسان الحضارة لا يلتجئ إلى المخلوق ولا يتعلق بالمنافقين، ويجازيه الله مغفرة ورضواناً ودخول الجنة.

الآية الجامعة لطريق المسلم ودستور بناء إنسان الحضارة

الحياء وبناء إنسان الحضارة

يقول الله سبحانه وتعالى:

(لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة:٢٨٤]

إن هذه الآية تلخص طريق المسلم في حياته، وهو في جميع أوضاعه وأحواله، بكلمات يسيرات، ولما صدرت عن ربنا سبحانه وتعالى في هذه البلاغة العالية كانت دستوراً للمسلمين، ومنهاجاً للعابدين، وطريقاً للسالكين، وبياناً للمتقين، ومن ثم لا يمكن بناء إنسان الحضارة دون التوقف عند هذه الكلمات.

تفاعل المسلم مع الآية ومعنى ملك الله للسموات والأرض

فتفاعل المسلم مع الآية يقتضي أن يعلن في نفسه أن الله سبحانه وتعالى يملك ويخلق ويرزق، يحيي ويميت، يُوجِد ويُفنِي، وهذه الآية القرآنية البليغة تبدأ بصيغة القصر، حيث قدم الجار والمجرور، ففي لغة العرب تقديم الجار والمجرور أو الظرف يدل على مزيد الاختصاص، فهي تساوى في المعنى أن السموات والأرض لله وحده.

وعبّرت الآية القرآنية عن الخلق بـ (ما) الموصولة ليدخل فيها العقلاء وغير العقلاء، والأحياء والأموات، والمتحركون والساكنون، والعالمون والجاهلون.

التعبير بالسموات جمعًا وتعظيم الخلق وضآلة الإنسان

واستعملت الآية لفظ (السموات) بالجمع ولم تستعمل (السماء) بالمفرد للتعظيم من شأنها، فإن سُمْك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فضلا عن أن ما بين كل سماء وما بعدها مسيرة خمسمائة عام كذلك، وذلك التعظيم يزيد من معرفة الإنسان بضآلة حجمه أمام هذا المخلوق العظيم، بل بضآلة حجم الكوكب الذي يعيش عليه، فإنه لا يمثل حجم حبة الرمل في الصحراء.

التفريق بين له ما في السموات وله ملك السموات والأرض

يذكر الله في هذه الآية أن له ما في السموات والأرض، ويذكر في آيات أخرى أن له مُلك السموات والأرض، وذلك لدفع توهم الجاهلين أن الظرف خارج عن مُلك الله، ولذلك كثر التأكيد على هذا المعنى في أكثر من موضع نذكر منها قوله تعالى:

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) [البقرة:١٠٧]

وقوله سبحانه:

(وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:١٨٩].

آيات المائدة في تقرير ملك الله وقدرته على الخلق

وكذلك قوله سبحانه وتعالى:

(قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [المائدة:١٧].

وقوله تعالى:

(يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ) [المائدة:١٨].

وقوله سبحانه:

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [المائدة:٤٠].

الأثر الإيماني لاعتقاد ملك الله في التخلي عن الاعتماد على الخلق

والسؤال الآن: ما هو الأثر الإيماني المترتب على اعتقاد الإنسان أن لله ملك السموات والأرض وما فيهن؟ وكيف يكون ذلك مؤثراً على تكوين هذا الإنسان ليبني حضارته؟ ويتمثل الأثر الإيماني في التخلي عن كل ما سوى الله، وبترك الاعتماد والتوكل على غيره سبحانه وتعالى حيث تيقن الإنسان أنه لا أثر له في الكون، ولا ملك ولا شرك مع الله فيه، ويترتب على تخلي الإنسان عن كل ما سوى الله وعدم الاعتماد على أحد غير الله، وكذلك عدم الثقة إلا في الله ووعده، فهو وحده الذي يملك تنفيذ كل ما يعد لأنه لا مالك غيره ولا رب سواه - يترتب على ذلك عدم الخوف من أحد حيث لا ملك ولا قدرة له ولا أثر له، وما يظهر لنا في الظاهر أنه من قدرة مخلوق وتأثيره هو في الحقيقة فعل الله أظهره عليه لاستقامة قوانين الأسباب، ولابتلاء بعضنا ببعض.

نفي الملك عن الخلق وبيان عدم امتلاك النبي للأمر

هذه الحقيقة لابد أن تستقر في نفوسنا فلا يملك أحد شيئًا من عالم الخلق ولا عالم الأمر، وإن كان هناك مخلوق له من الأمر شيء لكان أعظم المخلوقات وسيد الكائنات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن الله سبحانه وتعالى أخبره بأنه لا يملك من الأمر شيئا، فقال تعالى:

(لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) [آل عمران:١٢٨].

التعلق بالله وحده واللجوء إليه في كل الحوائج

والوجه الآخر للأثر الإيماني المترتب على تيقن الإنسان أن لله ملك السموات والأرض وما فيهن، هو التعلق بالله وحده، واللجوء إليه، وقصده والفزع إليه في كل الحوائج، فإن القلب إذا تخلى عن كل شيء سوى الله لم يجد في قلبه إلا الله فلا يلجأ إلا إليه، ولا يعتمد إلا عليه، ولا يثق إلا فيه سبحانه.

تحقيق التوحيد العملي بالتخلي عن غير الله والتحلي بالاعتماد عليه

ما أعظم هذا الأثر الإيماني الذي يحقق التوحيد العملي لقلب المرء بجانبيه: جانب التخلي عن كل ما سوى الله، وجانب التحلي بالاعتماد على الله وحده، وهو تطبيق كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، فيشهد القلب أنه لا مؤثر في الكون، ولا معبود، ولا قادر في الكون إلا الله وحده، فيتخلى عن كل المخلوقات العاجزة التي ليست لها قدرة ذاتية على فعل أي شيء، ويتعلق بالله القادر وحده على فعل كل شيء.

صفات إنسان الحضارة وثمرة صدق التوجه إلى الله ووعد الجنة

ومن صفات إنسان الحضارة أنه لا يلتجئ إلى المخلوق، ولا يعيش في الترهات، ولا يتعلق بكل ناعق ومنافق، ثم يتيقن بعد ذلك أنه لصدق توجهه، وصحة اعتماده على الله يجازيه ربنا مغفرة ورضواناً، حيث يدخل في قوله تعالى:

(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) [الأحقاف:١٦].

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الدلالة البلاغية لتقديم الجار والمجرور في آية (لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)؟

القصر والاختصاص

لماذا استعملت الآية (ما) الموصولة في قوله (لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ)؟

لتشمل العقلاء وغير العقلاء والأحياء والأموات

ما مقدار سُمك كل سماء كما ورد في شرح الآية؟

مسيرة خمسمائة عام

ما الحكمة من ذكر الله لملك السموات والأرض في آيات متعددة بصيغ مختلفة؟

لدفع توهم أن الظرف خارج عن ملك الله

ما الأثر الإيماني المباشر المترتب على اليقين بأن لله ملك السموات والأرض؟

التخلي عن الاعتماد على المخلوقين وعدم الخوف منهم

ما الآية التي تدل على أن النبي ﷺ لا يملك من الأمر شيئاً؟

(لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ)

ما الجانبان اللذان يتحقق بهما التوحيد العملي في القلب؟

التخلي عن كل ما سوى الله والتحلي بالاعتماد عليه وحده

ما الجزاء الذي وعد الله به إنسان الحضارة الصادق في توجهه إليه؟

المغفرة والرضوان ودخول الجنة

ما الذي يحدث للقلب حين يتخلى عن كل شيء سوى الله؟

لا يجد في قلبه إلا الله فلا يلجأ إلا إليه

ما الذي يشهد به القلب حين يحقق التوحيد العملي؟

أنه لا مؤثر ولا معبود ولا قادر في الكون إلا الله وحده

ما الذي يُمثله كوكب الأرض أمام عظمة السموات وفق ما ورد في شرح الآية؟

حجم حبة الرمل في الصحراء

ما الوصف الذي أطلقه النص على آية (لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)؟

دستور للمسلمين ومنهاج للعابدين وطريق للسالكين

ما معنى التوكل على الله في أعمق صوره؟

التوكل على الله يعني التخلي عن الاعتماد على كل ما سوى الله، والتعلق به وحده، واللجوء إليه والفزع إليه في جميع الحوائج، مع اليقين بأنه لا مالك ولا قادر في الكون إلا هو.

لماذا لا يخاف المتوكل على الله من المخلوقين؟

لأن المتوكل يتيقن أنه لا ملك ولا قدرة حقيقية لأي مخلوق، وما يظهر من قدرة المخلوق هو في الحقيقة فعل الله أظهره عليه لاستقامة قوانين الأسباب وابتلاء بعضنا ببعض.

ما الفرق بين (له ما في السموات) و(له ملك السموات) في القرآن الكريم؟

الأولى تؤكد ملك المظروف وهو ما يوجد داخل السموات والأرض، والثانية تؤكد ملك الظرف نفسه وهو السموات والأرض ذاتها، وكلاهما يؤكد انفراد الله بالملك المطلق.

ما الجانبان اللذان يتحقق بهما التوحيد العملي؟

جانب التخلي عن كل ما سوى الله من المخلوقات العاجزة، وجانب التحلي بالاعتماد على الله وحده القادر على كل شيء.

ما دلالة استخدام (ما) الموصولة في آية (لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ)؟

تدل على شمول ملك الله لكل موجود: العقلاء وغير العقلاء، والأحياء والأموات، والمتحركين والساكنين، والعالمين والجاهلين.

ما صفات إنسان الحضارة كما وردت في المحتوى؟

إنسان الحضارة لا يلتجئ إلى المخلوق، ولا يعيش في الترهات، ولا يتعلق بكل ناعق ومنافق، ويعتمد على الله وحده في جميع أموره.

ما الآية التي استشهد بها على أن النبي ﷺ لا يملك من الأمر شيئاً؟

قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) من سورة آل عمران.

ما الحكمة من ابتلاء بعضنا ببعض في إظهار قدرة المخلوق؟

ما يظهر من قدرة المخلوق هو فعل الله أظهره عليه لاستقامة قوانين الأسباب في الكون، وليبتلي الله بعض عباده ببعض، لا لأن للمخلوق قدرة ذاتية حقيقية.

ما الآية التي تصف جزاء إنسان الحضارة الصادق في توجهه إلى الله؟

قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) من سورة الأحقاف.

كيف يُطبق المسلم كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) في حياته العملية؟

بأن يشهد قلبه أنه لا مؤثر ولا معبود ولا قادر في الكون إلا الله وحده، فيتخلى عن كل المخلوقات العاجزة ويتعلق بالله القادر وحده على فعل كل شيء.

ما العلاقة بين اليقين بملك الله وبناء إنسان الحضارة؟

اليقين بأن لله ملك السموات والأرض يُحرر الإنسان من الخوف والاعتماد على المخلوقين، ويجعله يتعلق بالله وحده، وهذا التحرر هو أساس بناء إنسان الحضارة الحقيقي.

ما الذي يُميز الله عن المخلوقين في باب الوعد والتنفيذ؟

الله وحده الذي يملك تنفيذ كل ما يعد، لأنه لا مالك غيره ولا رب سواه، أما المخلوق فلا يملك تنفيذ وعده لأنه لا يملك شيئاً من الأمر.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!