اكتمل ✓

ما معنى لا هجرة بعد الفتح وكيف يرتبط بحديث الكيس من دان نفسه ومفهوم الهجرة الدائمة؟

حديث لا هجرة بعد الفتح يعني انقطاع الهجرة المخصوصة من مكة إلى المدينة بعد فتح مكة ودخولها في التوحيد، غير أن للهجرة معنىً مستمراً يشمل ترك المنكر والتوبة ومحاسبة النفس. وهذا ما يؤكده حديث الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، إذ يربط بين الرقابة الذاتية والهجرة من حال إلى حال. فالمهاجر الحقيقي هو من هجر ما نهى الله عنه في كل زمان ومكان.

ما معنى لا هجرة بعد الفتح وكيف يرتبط بحديث الكيس من دان نفسه ومفهوم الهجرة الدائمة؟
ما معنى لا هجرة بعد الفتح وكيف يرتبط بحديث الكيس من دان نفسه ومفهوم الهجرة الدائمة؟
3 دقائق قراءة
  • هل انتهت الهجرة بفتح مكة أم أن لها معنىً أعمق يمتد إلى يومنا هذا؟

  • حديث لا هجرة بعد الفتح يخص الهجرة المكانية من مكة إلى المدينة التي انقطعت بعد دخول مكة في الإسلام.

  • هجرة الأنبياء كإبراهيم وموسى وإسماعيل ويعقوب تكشف أن الهجرة منهج حياة لأغراض متعددة كطلب الأمن والإيمان والرزق.

  • الهجرة عن أماكن المنكر واجبة، وترتبط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونظام الحسبة ومؤسسات الرقابة الحديثة.

  • الهجرة من حال إلى حال تتمثل في التوبة ومحاسبة النفس، وهو ما يؤكده حديث الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.

  • الفهم الواسع للنصوص يجعل مفهوم الهجرة يشمل التنمية الشاملة ومقاومة الفساد وتغيير النفس استجابةً لقوله تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ.

الهجرة الخاصة من مكة إلى المدينة وانقطاعها بعد الفتح

المهاجر من هجر ما نهى الله عنه

بمناسبة العام الهجري الجديد نتذكر دروس الهجرة وأحاديثها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في شأن الهجرة المخصوصة التي أكرمه الله بها من مكة إلى المدينة

«لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (البخاري)

فبعد فتح مكة، خرجت من عبادة الأوثان ودخلت في التوحيد الخالص فلم يعد هناك حاجة للفرار بالدين منها إلى المدينة المنورة كهجرة إيمان أو إلى الحبشة من قبل كهجرة أمن، فقد آمن الناس وشعروا جميعا بالأمن.

هجرة الأنبياء عليهم السلام كمنهج حياة متعدد المقاصد

وللهجرة معناً مهم في ذاته نراه عند جميع الأنبياء، فإبراهيم عليه السلام يهاجر طلبا للإيمان، قال تعالى في شأنه:

(وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى سَيَهْدِينِ) [الصافات:99]

وموسى يهاجر إلى أرض مدين طلباً للأمن، وإسماعيل يهاجر إلى أرض مكة لإقامة البيت على قواعده، ويعقوب يهاجر إلى مصر للحاق بيوسف وأخيه، وهكذا لو تتبعنا هجرة الأنبياء لوجدناها كانت لأغراض كثيرة فأصبحت منهج حياة لطلب الرزق أو لطلب العلم أو لطب الأمن أو لطلب الأيمان أو غير ذلك.

الهجرة عن أماكن المنكر ومقاومة الفساد بالأمر بالمعروف

ولذلك كان لابد أن يكون للهجرة معنىً مستمر لمكانتها المهمة من الدين سواء أكان أحدنا ينتقل من مكان إلى مكان أو من حال إلى حال، أما الانتقال من مكان إلى مكان، فقد ورد أنه إذا رأى المرء منكرا فليزله أو فليزُل عنه، وهو معنى قوله تعالى:

(وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام:68]

وهذا منهاج قوي في مقاومة الفساد وعدم الرضا به، يرتبط ارتباطاً عضوياً مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما طوره المسلمون قديما في نظام الحسبة وحديثا في المؤسسات الرقابية كالجهاز المركزي للمحاسبات والرقابة الإدارية ونحو ذلك كأنظمة المرور وتفتيش التموين والصحة، فالبعد عن أماكن المعاصي قد أمُرنا به ونهينا عن السكوت عنه و إلا أصابنا العذاب مع المجرمين، قال تعالى:

(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [الأعراف:164- 165].

الهجرة من حال إلى حال بالتوبة ومحاسبة النفس

أما الانتقال من حال إلى حال فيتمثل في التوبة والرجوع إلى الحق وعدم اليأس من الوقوع في فعل الذنب لأن الاستمرار فيه أشد من الوقوع فيه، وقضية التوبة هذه هي أساس الرقابة الذاتية للإنسان على نفسه على حد قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في خطبته: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، يوم تعرضون لا يخفي منكم خافية (مصنف ابن أبي شيبة) وهو مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله (أورده الترمذي في سننه).

الهجرة المستمرة ومقاومة الفساد والتنمية وتغيير النفس

وعلى هذا المفهوم من أن الهجرة أمر مستمر يدخل في الحياة اليومية للمؤمن وأن مفهومها من ناحية أخرى واسع لا يقتصر على النُقلة المكانية، أصبحنا في أشد الحاجة إلى هذا المفهوم في عصرنا الحاضر حيث يشمل أولاً: مقاومة الفساد والإفساد، سواء أكانت هذه المقاومة بالأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو التغيير الواجب بكل وسائله أو كانت توبة نصوحة ينخلع فيها المفسد من فساده ويرجع إلى الله بمحاسبة النفس والهجرة بعد العصيان، قال تعالى:

(فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) [الذاريات:50]

وقال تعالى:

(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران:133]

وثانيا: هذا المفهوم الواسع المستمر للهجرة يجعلنا من المهاجرين وما أدراك ما ثوابهم ومرتبتهم عند الله إذا ما قمنا بما نسميه في عصرنا الحاضر بالتنمية، فهناك ارتباط وثيق بين معنى الهجرة الشرعي وبين مقاصد التنمية الشاملة وأهدافها، ويرتبط ذلك أيضاً بقوله تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الرعد:11].

الفهم الواسع للنصوص وحديث المفلس وتعدد معاني الشهادة

والقراءة الصحيحة لهذه الآيات والأحاديث وكما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتصر على الحالة الروحية ولا الدلالات اللغوية الضيقة ببعض الألفاظ وإنما تمتد لتُكون معنىً واسعاً يتناسب مع مراد الله من خلقه ومع مراد الله من شرعه، انظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

«أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ». قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. فَقَالَ «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (صحيح مسلم)، وانظر إليه صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ». قَالُوا مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: «إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذاً لَقَلِيلٌ، الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهَادَةٌ وَالْبَطَنُ شَهَادَةٌ وَالْغَرَقُ شَهَادَةٌ وَالنُّفَسَاءُ شَهَادَةٌ وَالطَّاعُونُ شَهَادَةٌ» (مسند الإمام أحمد)، فيجب أن نفهم الدين بهذه السعة كما علمنا سيدنا صلى الله عليه وسلم.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المقصود بحديث لا هجرة بعد الفتح؟

انقطاع الهجرة المكانية المخصوصة من مكة إلى المدينة

ما الغرض الذي هاجر من أجله إبراهيم عليه السلام وفق ما ورد في القرآن الكريم؟

طلب الإيمان والهداية

ما الذي هاجر إليه موسى عليه السلام وفق ما ذُكر؟

أرض مدين طلباً للأمن

ما الذي يمثله نظام الحسبة في الإسلام؟

تطوير إسلامي لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

من هو الكيس وفق حديث النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في سنن الترمذي؟

من دان نفسه وعمل لما بعد الموت

من هو العاجز وفق حديث الكيس من دان نفسه؟

من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله

ما الآية التي استُشهد بها للدلالة على وجوب الهجرة إلى الله بالتوبة؟

فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ

ما الذي يربط مفهوم الهجرة المستمرة بالتنمية الشاملة؟

كلاهما يهدف إلى تغيير الواقع ومقاومة الفساد وتحسين الأحوال

ما الذي يكشفه حديث المفلس عن مفهوم الإفلاس الحقيقي؟

أن المفلس هو من يأتي بأعمال صالحة لكنه ظلم الناس فتُؤخذ حسناته

ما الذي وسّع حديث الشهادة ليشمله بجانب القتل في سبيل الله؟

الموت بالطاعون والغرق والبطن والنفاس

ما قول عمر بن الخطاب الذي استُشهد به في سياق محاسبة النفس؟

حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا

ما الآية التي تربط تغيير الواقع بتغيير النفس في سياق الهجرة المستمرة؟

إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ

ما سبب انقطاع الهجرة من مكة إلى المدينة بعد الفتح؟

لأن مكة خرجت من عبادة الأوثان ودخلت في التوحيد الخالص، فلم يعد هناك داعٍ للفرار بالدين منها، وآمن الناس وشعروا بالأمن.

ما البديل الذي أبقى عليه النبي بعد انقطاع الهجرة المخصوصة؟

أبقى النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد والنية، وقال ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا.

لماذا هاجر إسماعيل عليه السلام إلى أرض مكة؟

هاجر إسماعيل عليه السلام إلى أرض مكة لإقامة البيت الحرام على قواعده.

لماذا هاجر يعقوب عليه السلام إلى مصر؟

هاجر يعقوب عليه السلام إلى مصر للحاق بابنه يوسف وأخيه.

ما الآية التي تأمر بالإعراض عن مجالس الخوض في آيات الله؟

قوله تعالى وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ من سورة الأنعام.

ما نظام الحسبة وكيف يرتبط بالهجرة عن المنكر؟

نظام الحسبة هو تطوير إسلامي قديم لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقابله حديثاً المؤسسات الرقابية كالجهاز المركزي للمحاسبات وتفتيش التموين والصحة.

ما الفرق بين الوقوع في الذنب والاستمرار فيه؟

الاستمرار في الذنب أشد وأخطر من مجرد الوقوع فيه، ولذلك وجبت التوبة والهجرة من حال إلى حال فور الوقوع في المعصية.

في أي كتاب أورد الترمذي حديث الكيس من دان نفسه؟

أورده الترمذي في سننه.

ما مصدر قول عمر بن الخطاب حاسبوا أنفسكم؟

ورد في مصنف ابن أبي شيبة ضمن خطبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

ما البُعدان الرئيسيان للهجرة المستمرة في العصر الحاضر؟

الأول مقاومة الفساد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتوبة، والثاني السعي نحو التنمية الشاملة وتغيير النفس والمجتمع.

ما الذي يحدث للمفلس يوم القيامة إذا فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه؟

تُؤخذ من خطايا من ظلمهم فتُطرح عليه ثم يُطرح في النار.

ما أنواع الشهادة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مسند الإمام أحمد؟

القتل في سبيل الله والموت بالبطن والغرق والنفاس والطاعون.

ما المنهج الصحيح في فهم النصوص الشرعية وفق ما ورد في المحتوى؟

ألا تقتصر القراءة على الحالة الروحية أو الدلالات اللغوية الضيقة، بل تمتد لتكوّن معنىً واسعاً يتناسب مع مراد الله من خلقه ومن شرعه.

ما الآية التي تدعو إلى المسارعة إلى المغفرة وترتبط بمفهوم الهجرة إلى الله؟

قوله تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ من سورة آل عمران.

ما ثواب من يفهم الهجرة بمعناها الواسع ويسعى للتنمية ومقاومة الفساد؟

يُعدّ من المهاجرين الذين لهم ثواب عظيم ومرتبة رفيعة عند الله تعالى.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!