هل المولد النبوي بدعة وهل الاحتفال بعيد المولد النبوي جائز وما حكمه؟
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من البدع الحسنة المثاب عليها وليس بدعة مذمومة، وقد أفتى بذلك جلال الدين السيوطي وابن حجر وغيرهم من الحفاظ. والبدعة المذمومة هي التي تخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً، أما الاحتفال بالمولد فلا يخالف شيئاً من ذلك بل يندرج تحت شكر الله على نعمة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد درج سلف الأمة على هذا الاحتفال منذ القرن الرابع والخامس الهجري بالتلاوة والذكر وإطعام الطعام.

- •
هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة محرمة أم عمل مشروع يثاب عليه صاحبه؟
- •
وصف القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين، ومحبته أصل من أصول الإيمان بنص الحديث الصحيح.
- •
درج سلف الأمة منذ القرن الرابع والخامس الهجري على إحياء ليلة المولد بالتلاوة والذكر وإطعام الطعام وإنشاد المدائح.
- •
أفتى السيوطي بأن عمل المولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها، مستنداً إلى تقسيم الإمام الشافعي للمحدثات إلى مذمومة وغير مذمومة.
- •
استخرج الحافظ ابن حجر أصل المولد من السنة من حديث صيام عاشوراء شكراً لله على نعمة إنجاء موسى، قياساً على شكر نعمة مولد النبي.
- •
قصة أبي لهب الذي يُخفَّف عنه العذاب في النار كل ليلة اثنين لفرحه بولادة النبي تدل على عظيم الأجر لمن يفرح بمولده من المسلمين.
- 1
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من أعظم القربات لأنه تعبير عن محبة النبي التي هي أصل الإيمان، والنبي رحمة إلهية شاملة للعالمين.
- 2
درج سلف الأمة منذ القرن الرابع الهجري على إحياء ليلة المولد بالتلاوة والذكر وإطعام الطعام، وأثبت ذلك كبار الحفاظ.
- 3
ألّف علماء وفقهاء في استحباب الاحتفال بالمولد النبوي بالأدلة الصحيحة، وأبرزهم ابن الحاج في المدخل والسيوطي في حسن المقصد.
- 4
أفتى السيوطي بأن الاحتفال بالمولد النبوي من البدع الحسنة المثاب عليها، وردّ على من نفى أصله في السنة مبيناً حد البدعة المذمومة.
- 5
وفق تقسيم الشافعي للمحدثات، الاحتفال بالمولد النبوي محدثة غير مذمومة لأنه لا يخالف دليلاً شرعياً، وهو من البدع المندوبة.
- 6
استخرج ابن حجر أصل المولد من حديث عاشوراء، مقرراً أن شكر الله على نعمة في يوم بعينه مشروع ويُعاد سنوياً، وولادة النبي أعظم النعم.
- 7
حدد ابن حجر ضوابط الاحتفال بالمولد بالتلاوة والإطعام والمدائح، واستُدل بقصة أبي لهب على عظيم أجر الفرح بمولد النبي.
- 8
أنشد الدمشقي أبياتاً في مورد الصادي تستدل بتخفيف عذاب أبي لهب على عظيم أجر المسلم الموحد الفرح بمولد النبي.
- 9
يُستدل بآية أيام الله على أن الاحتفال بالمولد سنة حسنة لا بدعة، وتؤكد قصة حنين الجذع عمق محبة الكائنات للنبي.
- 10
استحباب الاحتفال بالمولد النبوي ثابت بأقوال كبار الأئمة، وصورته المشروعة التلاوة والذكر وإطعام الطعام بعيداً عن المظاهر المذمومة.
ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ولماذا يُعدّ من أفضل القربات؟
حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف أنه من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنه تعبير عن الفرح والحب للنبي صلى الله عليه وسلم. ومحبة النبي أصل من أصول الإيمان، إذ صح عنه قوله: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». والمولد النبوي كان إطلالة للرحمة الإلهية على أهل الأرض، وقد وصف القرآن النبي بأنه رحمة للعالمين تشمل تربية البشر وهدايتهم وتمتد على امتداد التاريخ.
هل الاحتفال بالمولد النبوي ثابت عن سلف الأمة وما صور هذا الاحتفال؟
نعم، درج سلف الأمة الصالح منذ القرن الرابع والخامس الهجري على الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم. وكان ذلك بإحياء ليلة المولد بأنواع من القربات كإطعام الطعام وتلاوة القرآن والأذكار وإنشاد الأشعار والمدائح. وقد نص على ذلك كبار المؤرخين والحفاظ كابن الجوزي وابن كثير وابن دحية الأندلسي وابن حجر والسيوطي. والاحتفاء بالنبي أمر مقطوع بمشروعيته لأنه أصل الأصول.
ما موقف العلماء والفقهاء من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وما أبرز مؤلفاتهم فيه؟
ألّف جماعة من العلماء والفقهاء في استحباب الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مبيّنين بالأدلة الصحيحة مشروعية هذا العمل. وأطال ابن الحاج في كتابه المدخل في ذكر مزايا هذا الاحتفال بكلام مفيد يشرح صدور المؤمنين، مع أن كتابه وُضع أصلاً في ذم البدع المحدثة التي لا يتناولها دليل شرعي. وقد سُئل السيوطي عن حكم عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول من حيث الشرع وهل هو محمود أو مذموم.
هل المولد النبوي بدعة مذمومة وما جواب السيوطي عن حكم الاحتفال به؟
أجاب السيوطي بأن أصل عمل المولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي وإظهار الفرح بمولده الشريف. وردّ على من قال لا أصل له في الكتاب والسنة بأن نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وأن ابن حجر استخرج له أصلاً من السنة. وبيّن أن البدعة المذمومة هي التي لا تدخل تحت دليل شرعي في مدحها، أما إذا تناولها دليل المدح فليست مذمومة.
هل الاحتفال بعيد المولد النبوي بدعة ضلالة وفق تقسيم الإمام الشافعي للمحدثات؟
لا، الاحتفال بالمولد النبوي ليس بدعة ضلالة وفق تقسيم الإمام الشافعي؛ إذ قسّم المحدثات إلى ضربين: ما يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً فهو البدعة الضلالة، وما أُحدث من الخير ولا خلاف فيه فهو محدثة غير مذمومة. وقد قرر السيوطي أن عمل المولد ليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع، فهو من البدع المندوبة كما عبّر عنه سلطان العلماء العز بن عبد السلام.
ما الأصل الشرعي الذي استخرجه ابن حجر لمشروعية الاحتفال بالمولد النبوي؟
استخرج الحافظ ابن حجر أصل الاحتفال بالمولد النبوي من حديث الصحيحين أن النبي وجد اليهود يصومون عاشوراء شكراً لله على إنجاء موسى وإغراق فرعون. وقرر ابن حجر أنه يُستفاد من ذلك فعل شكر الله على ما منّ به في يوم معين من نعمة أو دفع نقمة، ويُعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة. وأضاف أن الشكر يحصل بأنواع العبادات كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأن ولادة النبي أعظم النعم التي تستوجب الشكر.
ما ضوابط الاحتفال بالمولد النبوي عند ابن حجر وما دلالة قصة أبي لهب على فضله؟
أكد الحافظ ابن حجر أن الاحتفال بالمولد ينبغي أن يقتصر على ما يفهم الشكر لله من التلاوة والإطعام وإنشاد المدائح النبوية المحركة للقلوب إلى فعل الخير، وما كان مباحاً يقتضي السرور بذلك اليوم فلا بأس به. واستدل الحافظ ابن الجزري بقصة أبي لهب الكافر الذي يُخفَّف عنه العذاب في النار كل ليلة اثنين لإعتاقه ثويبة عندما بشرته بولادة النبي، مستنتجاً أن المسلم الموحد الذي يسر بمولد النبي جزاؤه من الله الكريم الجنة.
ما أبيات الدمشقي التي تدل على فضل الفرح بمولد النبي وما مصدرها؟
أنشد الحافظ شمس الدين الدمشقي في كتابه مورد الصادي في مولد الهادي أبياتاً تستدل بقصة أبي لهب على فضل الفرح بالمولد، مفادها: إذا كان أبو لهب الكافر المخلد في الجحيم يُخفَّف عنه العذاب كل اثنين لسروره بمولد النبي، فما الظن بالعبد المسلم الموحد الذي عاش مسروراً بأحمد ومات على التوحيد؟ وقد نقل هذا الكلام السيوطي في كتابه حسن المقصد في عمل المولد، ونقله ابن قاسم العبادي في حاشيته على تحفة المحتاج.
كيف يُستدل بآية أيام الله على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي وما قصة حنين الجذع؟
يُستدل بقوله تعالى: ﴿وذكّرهم بأيام الله﴾ على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي، إذ لا شك أن مولد النبي من أيام الله، فيكون الاحتفال به تطبيقاً لأمر الله وسنة حسنة لا بدعة. وتدل قصة حنين جذع النخلة على عمق محبة الكائنات للنبي؛ فقد كان النبي يخطب متكئاً على جذع نخل، فلما صُنع له منبر وجاوز الجذع، صرخ الجذع صراخاً شديداً وحنّ حنيناً مؤلماً حتى ارتج المسجد، ولم يهدأ حتى نزل النبي وضمه إلى صدره.
ما خلاصة حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وما الصورة المشروعة له؟
خلاصة حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف أنه مستحب موافقاً لأقوال الأئمة كابن حجر والسيوطي وابن الجوزي وغيرهم، وهذا حال الأمة منذ القرن الخامس الهجري. والصورة المشروعة للاحتفال هي التلاوة والذكر وإطعام الطعام، مع تجنب المظاهر المذمومة كالرقص والطبل. وقد سكن الجذع بعد أن خيّره النبي بين أن يكون شجرة في الجنة أو يعود شجرة مثمرة في الدنيا فاختار الجنة، وليس الاحتفال بكثير على النبي الرحمة المهداة حبيب رب العالمين.
حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف أنه بدعة حسنة مستحبة يثاب عليها، لا تخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً.
حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف عند جمهور العلماء أنه من البدع الحسنة المثاب عليها؛ إذ أفتى الحافظ جلال الدين السيوطي بأن اجتماع الناس وقراءة القرآن ورواية أخبار المولد وإطعام الطعام هو من البدع الحسنة، مستنداً إلى تقسيم الإمام الشافعي للمحدثات إلى ما يخالف الدليل فيُذم، وما لا يخالفه فلا يُذم.
واستخرج الحافظ ابن حجر أصل الاحتفال بالمولد من حديث صيام عاشوراء الثابت في الصحيحين، مقرراً أن شكر الله على نعمة في يوم بعينه مشروع ويُعاد كل عام، وأن ولادة النبي صلى الله عليه وسلم أعظم النعم. وقد درج سلف الأمة على هذا الاحتفال منذ القرن الرابع الهجري، ولا عبرة بمن شذ عن هذا الإجماع العملي، بشرط أن يخلو الاحتفال من المظاهر المذمومة كالرقص والطبل.
أبرز ما تستفيد منه
- الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة يثاب عليها صاحبها لا بدعة مذمومة.
- البدعة المذمومة هي التي تخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً.
- درج سلف الأمة على إحياء المولد بالتلاوة والذكر وإطعام الطعام منذ القرن الرابع.
- أصل الاحتفال مستخرج من السنة بحديث صيام عاشوراء شكراً لله على النعمة.
مولد النبي رحمة إلهية شاملة للعالمين ومعاني هذه الرحمة العظيمة
مولد النور الهادي 5
نختم مقالاتنا في مولد النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث عن أدلة مشروعية الاحتفال بمولده الشريف صلى الله عليه وسلم.
فلا شك أن المولد النبوي الشريف كان إطلالة للرحمة الإلهية على أهل الأرض، وعبر القرآن الكريم عن وجود النبي صلى الله عليه وسلم بأنه « رحمة للعالمين »، وهذه الرحمة لم تكن محدودة؛ فهي تشمل تربية البشر،وتزكيتهم، وتعليمهم، وهدايتهم نحو الصراط المستقيم،وتقدمهم على صعيد حياتهم المادية والمعنوية، كما أنها لا تقتصر على أهل ذلك الزمان، بل تمتد على امتداد التاريخ بأسره
﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا۟ بِهِمْ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [الجمعة: 3].
والاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنه تعبير عن الفرح والحب له صلى الله عليه وسلم، ومحبَّة النبي صلى الله عليه وسلم أصل من أصول الإيمان، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده» [أخرجه البخاري في صحيحه، ج1 ص14، ومسلم في صحيحه، ج1 ص 76]،
وأنه صلى الله عليه وسلم قال:
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» [أخرجه البخاري في صحيحه، ج1 ص14].
معنى الاحتفاء بالنبي ومكانته في الوجود ومشروعية تعظيمه
والاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم هو الاحتفاء به، والاحتفاء به صلى الله عليه وسلم أمر مقطوع بمشروعيته؛ لأنه أصل الأصول ودعامتها الأولى، فقد علم الله سبحانه وتعالى قدر نبيه، فعرَّف الوجود بأسره باسمه، وبمبعثه، وبمقامه، وبمكانته، فالكون كله في سرور دائم وفرح مطلق بنور الله، وفرجه، ونعمته على العالمين، وحجته.
وقد درج سلفنا الصالح منذ القرن الرابع والخامس على الاحتفال بمولد الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه بإحياء ليلة المولد بأنواع شتى من القربات من إطعام الطعام، وتلاوة القرآن والأذكار، وإنشاد الأشعار والمدائح في رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نص على ذلك غير واحد من المؤرخين مثل الحافظين: ابن الجوزي، وابن كثير، والحافظ ابن دحية الأندلسي، والحافظ ابن حجر، وخاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي رحمهم الله تعالى.
تأليف العلماء في استحباب المولد وذكر ابن الحاج وكتابه المدخل
وألف في استحباب الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف جماعة من العلماء والفقهاء، بينوا بالأدلة الصحيحة استحباب هذا العمل؛ بحيث لا يبقى لمن له عقل وفهم وفكر سليم إنكار ما سلكه سلفنا الصالح من الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، وقد أطال ابن الحاج في [المدخل] في ذكر المزايا المتعلقة بهذا الاحتفال، وذكر في ذلك كلامًا مفيدًا يشرح صدور المؤمنين، مع العلم أن ابن الحاج وضع كتابه المدخل في ذم البدع المحدثة التي لا يتناولها دليل شرعي.
قال خاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي في كتابه «حسن المقصد في عمل المولد»،بعد سؤال رفع إليه عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول: ما حكمه من حيث الشرع، وهل هو محمود أو مذموم، وهل يثاب فاعله ؟ قال:
جواب السيوطي واعتبار عمل المولد من البدع الحسنة المثاب عليها
« والجواب عندي أن أصل عمل مولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك؛هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صـاحبها؛ لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهـار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
وقد رد السيوطي على من قال: « لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة » بقوله: « نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود » مبينًا أن إمام الحفاظ أبا الفضل ابن حجر رحمه الله تعالى قد استخرج له أصلاً من السنة، واستخرج له هو - يعني السيوطي- أصلاً ثانيًا موضحًا أن البدعة المذمومة هي التي لا تدخل تحت دليل شرعي في مدحها أما إذا تناولها دليل المدح فليست مذمومة.
تقسيم الإمام الشافعي للمحدثات وبيان البدعة غير المذمومة
روى البيهقي عن الشافعي رضي الله عنه،قال:« المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: أحدث مما يخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد وهذه محدثة غير مذمومة. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قيام شهر رمضان نعم البدعة هذه، يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى» [المدخل إلى السنن الكبرى،للبيهقي،ص206].هذا آخر كلام الشافعي.
قال السيوطي: « وعمل المولد ليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي، وهو من الإحسان الذي لم يعهد في العصر الأول، فإن إطعام الطعام الخالي عن اقتراف الآثام إحسان، فهو إذن من البدع المندوبة،كما عبر عنه بذلك سلطان العلماء العز بن عبد السلام ».
أصل الاجتماع لشعار المولد وشكر نعمة ولادة سيد الأولين والآخرين
وأصل الاجتماع لإظهار شعار المولد مندوب وقربة؛ لأن ولادته أعظم النعم علينا والشريعة حثت على إظهار شكر النعم، وهذا ما رجحه ابن الحاج في المدخل حيث قال: « لأن في هذا الشهر مَنَّ الله تعالى علينا بسيد الأولين والآخرين، فكان يجب أن يزاد فيه من العبادات والخير وشكر المولى على ما أولانا به من النعم العظيمة ».
والأصل الذي خرج عليه الحافظ ابن حجر عمل المولد النبوي؛هو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله تعالى، قال الحافظ: « فيستفاد منه فعل شكر الله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادات كالسجود، والصيام، والصدقة،والتلاوة، وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم؟».
ضوابط الاحتفال بالمولد عند ابن حجر وحدود ما يشرع فيه
ويؤكد الحافظ ابن حجر على مظاهر ذلك الاحتفال، فيقول: «فينبغي أن نقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة، والإطعام، وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة وما كان مباحًا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به ».
ونقل السيوطي عن إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري من كتابه «عرف التعريف بالمولد الشريف» قوله: «إنه صح أن أبا لهب يخفف عنه العذاب في النار كل ليلة اثنين لإعتاقه ثُوَيْبَةَ عندما بشرته بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته ؟ لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم.
استدلال بقصة أبي لهب وأبيات الدمشقي على فضل الفرح بالمولد
وأنشد الحافظ شمس الدين الدمشقي في كتابه المسمى مورد الصادي في مولد الهادي:
إذا كان هذا كافرا جاء ذمه * وتبَّت يداه فى الجحيم مخلدا
أتى أنه فى يوم الاثنين دائما * يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذى كان عمره * بأحمد مسرورا ومات موحدا؟
[كل ما سبق من النقل ذكره الإمام السيوطي في كتابه، حسن المقصد في عمل المولد، من ص 5: 15،ونقل هذا الكلام بنصه ابن قاسم العبادي في حاشيته على تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي، ج7 ص 424]
الاستدلال بآية وذكرهم بأيام الله على أن المولد من أيام الله
كما يمكن الاستدلال بعموم قوله تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]،
فلا شك أن مولد النبي صلى الله عليه وسلم من أيام الله فيكون الاحتفال به ما هو إلا تطبيقًا لأمر الله، وما كان كذلك فلا يكون بدعة، بل يكون سنة حسنة، حتى ولو لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونحن نحتفل بمولده صلى الله عليه وسلم؛ لأننا نحبه، ولِمَ لا نحبه وقد عرفه وأحب كل الكائنات؛ فهذا الجذع وهو جماد أحب النبي صلى الله عليه وسلم وتعلق به واشتاق إلى قربه الشريف صلى الله عليه وسلم، بل وبكى بكاء شديدًا تشوقًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد تواتر هذا الخبر، وصار العلم به محتم، وروي عن أكثر من صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛أنه عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائمًا معتمدًا على جذع نخل منصوب، فإذا طال وقوفه وضع يده الشريفة على ذلك الجذع، ولما كثر عدد المصلين صنع له الصحابة منبرًا، فلما خرج صلى الله عليه وسلم من باب الحجرة الشريفة يوم الجمعة يريد المنبر، وجاوز الجذع الذي كان يخطب عنده إذا بالجذع يصرخ صراخًا شديدًا، ويحن حنينا مؤلمًا حتى ارتج المسجد وتشقق الجذع، ولم يهدأ، حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن المنبر وأتى الجذع، فوضع يده الشريفة عليه، ومسحه، ثم ضمه بين يديه إلى صدره الشريف حتى هدأ، ثم خيره بأن سارره بين أن يكون شجرة في الجنة، تشرب عروقه من أنهار الجنة، وبين أن يعود شجرة مثمرة في الدنيا، فاختار الجذع أن يكون شجرة في الجنة،فقال صلى الله عليه وسلم:
قصة حنين جذع النخلة للنبي وبيان شدة محبة الجماد له
«أفعل إن شاء الله، أفعل إن شاء الله، أفعل إن شاء الله»،
فسكن الجذع، ثم قال صلى الله عليه وسلم:
«والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لبقي يحن إلى قيام الساعة شوقًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم » [أخرج أصل الحديث جمع غفير من الحفاظ بألفاظ متقاربة، فأخرجه أحمد في مسنده، ج3 ص 293، والبخاري في صحيحه، ج3 ص 1313، والترمذي في سننه، ج5 ص 594، وابن ماجه في سننه، ج1 ص 454، والدارمي في سننه، ج1 ص 30، وابن حبان في صحيحه، ج14 ص 435، وابن أبي شيبة في مصنفه، ج 6 ص 319، والطبراني في الأوسط، ج2 ص367، وأبو يعلى في مسنده، ج6 ص 114].
ومما سبق ذكره من أقوال الأئمة كابن حجر، وابن الجوزي، والسيوطي، وغيرهم، وتبين أن هذا حال الأمة من القرن الخامس الهجري، نرى استحباب الاحتفال بالمولد الشريف موافقة للأمة والعلماء، وأن يكون الاحتفال بما ذكر من تلاوة القرآن والذكر وإطعام الطعام، وألا يتطرق إليه مظاهر مذمومة كالرقص والطبل وما إلى ذلك، ولا عبرة بمن شذ عن هذا الإجماع العملي للأمة وأقوال هؤلاء الأئمة؛ وليس ذلك الاحتفال بكثير على النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة حبيب رب العالمين.
ما شعورك تجاه هذا المقال؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا المقال؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
كيف وصف القرآن الكريم وجود النبي صلى الله عليه وسلم في الوجود؟
رحمة للعالمين
منذ أي قرن هجري درج سلف الأمة على الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟
القرن الرابع والخامس
ما الكتاب الذي ألّفه السيوطي وتناول فيه حكم عمل المولد النبوي؟
حسن المقصد في عمل المولد
وفق تقسيم الإمام الشافعي، ما البدعة الضلالة؟
ما يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً
من أي حديث استخرج الحافظ ابن حجر أصل الاحتفال بالمولد النبوي؟
حديث صيام يوم عاشوراء
لماذا يُخفَّف العذاب عن أبي لهب كل ليلة اثنين وفق ما ذكره ابن الجزري؟
لأنه أعتق ثويبة عندما بشرته بولادة النبي
ما الآية القرآنية التي استُدل بها على أن الاحتفال بالمولد تطبيق لأمر الله؟
﴿وذكّرهم بأيام الله﴾
ما الكتاب الذي وضعه ابن الحاج أصلاً في ذم البدع المحدثة وتناول فيه مزايا الاحتفال بالمولد؟
المدخل
ما الصورة المشروعة للاحتفال بالمولد النبوي وفق ما قرره العلماء؟
التلاوة والذكر وإطعام الطعام وإنشاد المدائح
ماذا اختار جذع النخلة حين خيّره النبي صلى الله عليه وسلم؟
أن يكون شجرة في الجنة
من هو العالم الذي وصفه السيوطي بـ«سلطان العلماء» وعبّر عن المولد بأنه من البدع المندوبة؟
العز بن عبد السلام
ما قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي استشهد به الشافعي على وجود محدثات غير مذمومة؟
«نعم البدعة هذه» في قيام شهر رمضان
ما الكتاب الذي أنشد فيه الحافظ الدمشقي أبياته في فضل الفرح بمولد النبي؟
مورد الصادي في مولد الهادي
ما الحديث الصحيح الذي يدل على أن محبة النبي شرط في الإيمان؟
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»
ما رد السيوطي على من قال «لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة»؟
«نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود»
ما تعريف البدعة الحسنة وفق ما قرره العلماء في مسألة المولد النبوي؟
البدعة الحسنة هي المحدثة التي لا تخالف كتاباً ولا سنة ولا أثراً ولا إجماعاً، وتندرج تحت دليل شرعي في مدحها، وقد عبّر عنها سلطان العلماء العز بن عبد السلام بأنها من البدع المندوبة.
ما الأصل الثاني الذي استخرجه السيوطي لمشروعية الاحتفال بالمولد النبوي؟
استخرج السيوطي أصلاً ثانياً للمولد مضافاً إلى ما استخرجه ابن حجر، مبيناً أن البدعة المذمومة هي التي لا تدخل تحت دليل شرعي في مدحها، وأن المولد يدخل تحت دليل المدح فليس مذموماً.
ما الضربان اللذان قسّم بهما الإمام الشافعي المحدثات؟
قسّم الشافعي المحدثات إلى ضربين: الأول ما يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً فهو البدعة الضلالة، والثاني ما أُحدث من الخير ولا خلاف فيه فهو محدثة غير مذمومة.
ما الذي يستفاد من حديث صيام اليهود يوم عاشوراء في مسألة الاحتفال بالمولد؟
يُستفاد منه أن فعل شكر الله على ما منّ به في يوم معين من نعمة أو دفع نقمة مشروع، ويُعاد في نظير ذلك اليوم من كل سنة، وأن ولادة النبي أعظم النعم التي تستوجب الشكر.
ما صور الاحتفال بالمولد النبوي التي ذكرها العلماء وأقروها؟
أقر العلماء الاحتفال بالمولد بإطعام الطعام وتلاوة القرآن والأذكار وإنشاد الأشعار والمدائح النبوية المحركة للقلوب إلى فعل الخير، مع تجنب المظاهر المذمومة كالرقص والطبل.
ما دلالة قصة حنين جذع النخلة على محبة الكائنات للنبي؟
تدل القصة على أن الجذع وهو جماد أحب النبي وتعلق به، فلما انتقل النبي إلى المنبر صرخ الجذع وحنّ حتى ارتج المسجد، ولم يهدأ حتى ضمه النبي إلى صدره، مما يدل على أن محبة النبي فطرة في الكائنات.
ما الكتاب الذي ألّفه ابن الجزري وتناول فيه قصة أبي لهب والمولد؟
ألّف الحافظ شمس الدين ابن الجزري كتاب «عرف التعريف بالمولد الشريف» وتناول فيه قصة أبي لهب الذي يُخفَّف عنه العذاب كل ليلة اثنين لفرحه بولادة النبي.
ما الحفاظ الذين نصوا على احتفال سلف الأمة بالمولد النبوي؟
نص على ذلك جمع من كبار الحفاظ والمؤرخين منهم: ابن الجوزي وابن كثير وابن دحية الأندلسي وابن حجر وجلال الدين السيوطي رحمهم الله.
ما معنى قول السيوطي «نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود» في سياق المولد؟
يعني أن قول القائل «لا أعلم لهذا المولد أصلاً في الكتاب والسنة» لا يثبت أنه لا أصل له، لأن عدم علم الشخص بالشيء لا يعني عدم وجوده، وقد استخرج ابن حجر له أصلاً من السنة.
ما الذي اختاره جذع النخلة حين خيّره النبي بين الدنيا والجنة؟
اختار الجذع أن يكون شجرة في الجنة تشرب عروقها من أنهار الجنة، فقال له النبي ثلاث مرات «أفعل إن شاء الله» فسكن الجذع.
ما الآية التي استُدل بها على أن مولد النبي من أيام الله التي يجب التذكير بها؟
استُدل بقوله تعالى: ﴿وذكّرهم بأيام الله﴾ من سورة إبراهيم، إذ لا شك أن مولد النبي من أيام الله، فيكون الاحتفال به تطبيقاً لأمر الله وسنة حسنة.
ما قول ابن الحاج في فضل شهر ربيع الأول الذي وُلد فيه النبي؟
قال ابن الحاج: «لأن في هذا الشهر منّ الله تعالى علينا بسيد الأولين والآخرين، فكان يجب أن يزاد فيه من العبادات والخير وشكر المولى على ما أولانا به من النعم العظيمة».
ما الفرق بين الاحتفال بالمولد النبوي وبين البدعة المذمومة؟
البدعة المذمومة هي التي تخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، أما الاحتفال بالمولد فلا يخالف شيئاً من ذلك بل يندرج تحت شكر الله على نعمة بعثة النبي، فهو بدعة حسنة مندوبة.
ما الكتاب الذي نقل فيه ابن قاسم العبادي كلام السيوطي عن المولد النبوي؟
نقل ابن قاسم العبادي كلام السيوطي في حاشيته على تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي في الجزء السابع صفحة 424.
ما الحديث الذي يدل على أن محبة النبي شرط في كمال الإيمان وأخرجه البخاري ومسلم؟
الحديث هو: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده»، أخرجه البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه.