اكتمل ✓

ما معنى حسن الظن بالله وكيف يجتمع الخوف من مقام الرب مع الحب والرجاء؟

حسن الظن بالله يعني الجمع بين الخوف من مقامه والرجاء في رحمته، فالخوف الحقيقي من الله مشبع بالحب وليس رعباً أو فزعاً. قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، وهذا الخوف يؤدي إلى التقوى والسكينة لا إلى النفور. وقد جمع السلف الصالح بين الخوف والرجاء، فجعلوهما جناحين يطير بهما العبد إلى كل مقام محمود.

ما معنى حسن الظن بالله وكيف يجتمع الخوف من مقام الرب مع الحب والرجاء؟
ما معنى حسن الظن بالله وكيف يجتمع الخوف من مقام الرب مع الحب والرجاء؟
3 دقائق قراءة
  • كيف يجتمع الخوف من الله مع محبته، وهل الخوف الحقيقي يُبعد العبد عن ربه أم يقربه منه؟

  • العلاقة بين الإنسان وربه تقوم أساساً على الرحمة التي تشمل الحب والرأفة والرفق.

  • القرآن الكريم يميز بين الرعب والفزع كمشاعر سلبية لم تُستعمل في وصف علاقة العبد بربه، وبين الخشية والخوف اللذين يؤديان إلى الطلب والقرب.

  • الخوف من مقام الرب في قوله تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) هو خوف مشبع بالحب والهيبة والجلال، لا بالرعب والنفور.

  • المفاهيم الخاطئة المنقولة عبر الخطاب الديني المتشدد أو التربية البعيدة عن اللغة العربية تُفسد العلاقة بين العبد وربه.

  • من أمثلة حسن الظن بالله أقوال السلف كالإمام الشافعي والغزالي وذي النون المصري التي تجمع بين الخوف والرجاء.

أساس العلاقة بين الإنسان وربه ومعاني ألفاظ الخوف القرآنية

الخوف والحب الإلهي

العلاقة بين الإنسان وربه تقوم أساساً على الرحمة، التي تقتضي كل صفات الجمال من الحب والرأفة والرفق، وفي العلاقة بين الإنسان وربه نرى القرآن الكريم قد استعمل عدة أفعال للتعبير عن الخوف، منها:خاف وخشى وفَزِع، واستعمل مصدر الرعب، واختلف الاستعمال القرآني لكل كلمة من هذه الكلمات، بما يحتاج إلى التدبر لنتبين في النهاية كُنْهَ العلاقة بين الإنسان وربه.

معنى الرعب والفزع في القرآن وسبب عدم نسبتهما لعلاقة العبد بربه

أما الرعب، فاستعماله ورد في سورة آل عمران في قوله تعالى:

(سَنُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ) [آل عمران:١٥١]

وكذلك في سور الأنفال والأحزاب والحشر، وفي سورة الكهف، قوله سبحانه وتعالى:

(لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) [الكهف:18]

فالرعب شعور سلبي يقتضي الفراغ والبعد، ولذلك لم يستعمل في العلاقة بين الإنسان وربه، لأن الطريق إلى الله طريق طلب وليس طريق هرب.

وكذلك كلمة فَزِع، قال تعالى:

(لاَ يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ) [الأنبياء:١٠٣]

وقال سبحانه:

(مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) [النمل:٨٩]

فالفزع معنى سلبي لم يستعمل أيضاً في العلاقة بين الإنسان وربه في القرآن الكريم، والإنسان يصيبه الرعب أو الفزع فيريد أن يتخلص من هذا الشعور، قال تعالى:

(إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ) [ص:22].

الخشية في القرآن وعلاقتها بمقام الرب وتمهيد معنى الخوف

أما الخشية، فقد استعملت على الوجهين، قال تعالى:

(وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) [الأحزاب:٣٧]

وقال تعالى:

(فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) [المائدة:٤٤]

وقال تعالى:

(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ) [فاطر:٢٨]

وقال سبحانه:

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى) [النازعات:٢٦]

وقال تعالى:

(إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ) [فاطر:١٨]

وقال تعالى:

(كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) [الزمر:٢٣]

فوصف القرآن العلاقة بين العبد وربه بالخشية، فالخشية هنا تؤدي إلى الطلب إن كانت من الله، وإلى الفرار والهرب إن كانت من الناس، وهذا تمهيد لمعنى الخوف من مقام ربنا سبحانه وتعالى.

استعمال فعل خاف في القرآن وبيان أن الخوف من الله مشبع بالحب

أما فعل خاف فهو أكثر الأفعال استعمالاً في القرآن الكريم في هذا المعنى الذي نتكلم فيه، قال تعالى:

(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن:٤٦]

وقال تعالى:

(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى) [النازعات:٤٠-٤١]

وقال سبحانه:

(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأنعام:١٥].

فالخوف من الله سبحانه وتعالى مشبع بحبه، وبالتعبير الحديث هو كالأسفنجة التي تمتص الماء أو بعبارة أخرى الحب والخوف وجهان لعملة واحدة، وعلى الناس أن يعلموا وأن يتعلموا الفرق بين الخوف من الله، الذي هو الحب بعينه وبين الرعب والفزع، فالرعب والفزع يأتي من الخوف من الأذية والله سبحانه وتعالى رحمن رحيم بَرٌّ جميل، ولذلك فإن كثيرا من الناس إذا فهموا الخوف بمعنى الفزع من الله فإنهم يملُّون، حتى ترى العلاقة بين الإنسان وربه مع هذا الملل تؤدي إلى الاضطراب ثم يشعر بعدها العبد بشيء من التأثم وتبدأ العلاقة في التدهور، في حين أنه لو فهم الخوف بأنه مليء بالحب، لأدى ذلك إلى علاقة إيجابية تؤدي إلى التقوى وإلى السكينة والطمأنينة والركون إلى رحمة الله تعالى.

الخوف الحقيقي المشبع بالحب وآثاره في التقوى والسكينة

إن الخوف الحقيقي المشبع بالحب هو نوع من أنواع الهيبة والرهبة والجلال والقداسة وكلها معان تؤدي إلى مزيد الطلب وإلى دوام السير في طريق الله، وهذا هو الذي يساعد الإنسان على أن ينهى النفس عن الهوى، ويشعر بلذة في صدره وقلبه فيزداد من التقوى، ويزول شعوره بالحرمان والمنع، وهذا هو الفرق الكبير بين من جعل العلاقة بينه وبين ربه مبنية على الرعب والفزع، ومن جعلها مبنية على الرحمة والحب.

أثر المفاهيم الخاطئة والخطاب المتشدد وأهمية اللغة العربية

كثير من الناس رأيناهم قد ساءت علاقتهم مع الله، لاختلاف تلك المفاهيم التي نقلت إليهم، إما من خطاب ديني متشدد لا يمثل إلا مشرب صاحبه العنيف، وإما من تربية بُنيت على العادات والتقاليد بعيداً عن صحيح العلم وبعيداً عن واقع الدين واللغة، وإما من ثقافة سائدة تراكمت عبر العصور، وكل ذلك يدلنا على أهمية اللغة العربية وأنها المِفتاح للتفكير المستقيم، وللإبداع الطموح، وللعبادة الصحيحة، ولتزكية النفس، ولبناء الحضارة، قال تعالى:

(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد:٢٤]

وقال تعالى:

(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف:٢].

نماذج السلف في الجمع بين الخوف والرجاء وحسن الظن بالله

وقد فهم المسلمون الواعون حقيقة العلاقة بين العبد وربه عن نبيهم-صلى الله عليه وسلم- فجاءت أقوالهم وأفعالهم تؤكد هذا الفهم الصحيح ليتشبع حبهم لله تعالى بمخافتهم منه سبحانه، فينصح عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أصحابه فيقول:

«شاور في أمرك الّذين يخشون اللّه عزّ وجلّ».

ويدعو ابن مسعود- رضي الله عنه، مناجياً ربه فيقول:

«خائفا مستجيرا تائبا مستغفرا راغبا راهبا».

كما يدعو ذو النون المصري فيقول:

«اللّهمّ إليك تقصد رغبتي، وإيّاك أسأل حاجتي، ومنك أرجو نجاح طلبتي، وبيدك مفاتيح مسألتي، لا أسأل الخير إلّا منك، ولا أرجوه من غيرك، ولا أيأس من روحك بعد معرفتي بفضلك»،

ويفهم الإمام الغزالي هذا المعنى فيقول في كتابه الإحياء: (إنّ الرّجاء والخوف جناحان بهما يطير المقرّبون إلى كلّ مقام محمود، ومطيّتان بهما يقطع من طرق الآخرة كلّ عقبة كئود، ويفهم أيضاً الإمام الشافعي، رحمه الله، هذا المعنى فينشد في مرض موته قائلاً:

فلمّا قسا قلبي وضاقت مذاهبي * جعلت الرّجا منّي لعفوك سُلَّمَا

تعاظم ذنبي فلمّــا قرنته * بعفوك ربّي كان عفوك أَعْظَمَا

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الأساس الذي تقوم عليه العلاقة بين الإنسان وربه وفق المحتوى؟

الرحمة والحب والرأفة

لماذا لم يُستعمل لفظ الرعب في القرآن الكريم للتعبير عن علاقة العبد بربه؟

لأنه شعور سلبي يقتضي الفراغ والبعد والهرب

في أي سورة ورد قوله تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)؟

سورة الرحمن

ما الثمرة العملية لخوف مقام الرب المذكورة في سورة النازعات؟

نهي النفس عن الهوى والجنة مأوى

كيف وصف المحتوى العلاقة بين الخوف من الله والحب؟

الحب والخوف وجهان لعملة واحدة

ما الذي يحدث لمن فهم الخوف من الله بمعنى الرعب والفزع؟

يمل وتتدهور علاقته بربه

ما المعاني التي يتضمنها الخوف الحقيقي المشبع بالحب وفق المحتوى؟

الهيبة والرهبة والجلال والقداسة

من الذي قال في كتاب الإحياء: إن الرجاء والخوف جناحان يطير بهما المقربون؟

الإمام الغزالي

ما الذي نصح به عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصحابه؟

مشاورة الذين يخشون الله عز وجل

ما الآية التي استشهد بها المحتوى على أهمية اللغة العربية للتعقل والفهم؟

(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)

ما الفرق بين الخشية من الناس والخشية من الله في القرآن الكريم؟

الخشية من الله تؤدي إلى الطلب والخشية من الناس إلى الهرب

ما الأسباب التي ذكرها المحتوى لفساد مفاهيم الناس عن علاقتهم بالله؟

الخطاب الديني المتشدد والتربية على العادات والثقافة السائدة

ما الذي أنشده الإمام الشافعي في مرض موته؟

أبياتاً تجمع بين الاعتراف بالذنب والثقة بعفو الله

ما الأفعال التي استعملها القرآن الكريم للتعبير عن الخوف؟

استعمل القرآن الكريم: خاف وخشى وفزع، واستعمل مصدر الرعب، ولكل كلمة استعمال مختلف يحتاج إلى تدبر.

ما الفرق بين الرعب والخوف في القرآن الكريم؟

الرعب شعور سلبي يقتضي الفراغ والبعد والهرب، ولذلك لم يُستعمل في علاقة العبد بربه. أما الخوف فهو مشبع بالحب ويؤدي إلى الطلب والقرب من الله.

في أي سياق ورد لفظ الرعب في القرآن الكريم؟

ورد في سياق الكافرين والمشركين كقوله تعالى (سَنُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)، وفي سياق أصحاب الكهف.

من الذين يخشون الله من عباده وفق القرآن الكريم؟

قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ)، فالخشية من الله مقام العلماء الذين يعرفون عظمته.

ما معنى حسن الظن بالله في ضوء الجمع بين الخوف والرجاء؟

معنى حسن الظن بالله هو الجمع بين الخوف من مقامه والرجاء في رحمته وعفوه، فلا ييأس العبد من رحمة الله ولا يأمن مكره.

ما الآية التي تربط بين خوف مقام الرب ونهي النفس عن الهوى؟

قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى) من سورة النازعات.

كيف وصف الإمام الغزالي الرجاء والخوف في كتاب الإحياء؟

قال الإمام الغزالي: إن الرجاء والخوف جناحان يطير بهما المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان يُقطع بهما كل عقبة في طريق الآخرة.

ما دعاء ذي النون المصري الذي يعبر عن حسن الظن بالله؟

قال: اللهم إليك تقصد رغبتي وإياك أسأل حاجتي ومنك أرجو نجاح طلبتي، ولا أيأس من روحك بعد معرفتي بفضلك.

ما أثر الخوف الحقيقي المشبع بالحب على قلب العبد؟

يشعر العبد بلذة في صدره وقلبه فيزداد من التقوى ويزول شعوره بالحرمان والمنع، ويدوم سيره في طريق الله.

ما الذي يميز الهيبة من الله عن الرعب منه؟

الهيبة من الله نوع من الجلال والقداسة يؤدي إلى مزيد الطلب والقرب، بينما الرعب شعور سلبي يدفع إلى الهرب والبعد.

ما دعاء ابن مسعود رضي الله عنه الذي يجمع بين الخوف والرجاء؟

كان يدعو ربه قائلاً: خائفاً مستجيراً تائباً مستغفراً راغباً راهباً، وهو جمع بين الخوف والرجاء في دعاء واحد.

ما دور اللغة العربية في تصحيح مفاهيم العلاقة بين العبد وربه؟

اللغة العربية هي المفتاح للتفكير المستقيم والعبادة الصحيحة وتزكية النفس، وبدونها تتشوه المفاهيم الدينية وتُبنى على العادات لا على صحيح العلم.

ما أبيات الإمام الشافعي التي تعبر عن حسن الظن بالله؟

أنشد في مرض موته: فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سُلَّمَا، تعاظم ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظمَا.

ما الفزع الأكبر المذكور في القرآن الكريم؟

قال تعالى: (لاَ يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ)، وهو الفزع الذي يصيب الناس يوم القيامة، وهو من المعاني السلبية التي لم تُستعمل في علاقة العبد بربه.

ما الآية التي تحث على تدبر القرآن وتنهى عن إقفال القلوب؟

قوله تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) من سورة محمد.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!