اكتمل ✓

ما الفرق بين الخبر والإنشاء وكيف يؤثر ذلك في فهم النصوص القرآنية؟

الخبر هو الكلام الذي يحتمل الصدق والكذب بمقارنته بالواقع، كقولنا الشمس مشرقة. أما الإنشاء فهو الكلام الذي لا يوصف بصدق أو كذب كالسؤال والأمر، لأنه يطلب الحكم ولا يُصدره. والتفرقة بينهما أساسية لفهم النصوص القرآنية، إذ قد يُستعمل أسلوب إنشائي لإرادة الخبر والعكس، وخلط الاثنين يُفضي إلى سوء فهم مراد المتكلم.

ما الفرق بين الخبر والإنشاء وكيف يؤثر ذلك في فهم النصوص القرآنية؟
ما الفرق بين الخبر والإنشاء وكيف يؤثر ذلك في فهم النصوص القرآنية؟
4 دقائق قراءة
  • هل تعلم أن جملة خبرية في القرآن كآية الرضاعة قد تحمل معنى الأمر الواجب وليس مجرد الإخبار؟

  • الخبر هو الكلام الذي يحتمل الصدق والكذب عند مقارنته بالواقع، كقولنا الشمس مشرقة.

  • الإنشاء يشمل السؤال والأمر ونحوهما مما لا يوصف بصدق أو كذب لأنه يطلب الحكم ولا يُصدره.

  • التفرقة بين الخبر والإنشاء أساسية في التفكير المستقيم، وإهمالها يُفضي إلى نسبة كلام لم يُقَل لقائله.

  • وضع الأصوليون قاعدة تُفرّق بين الوضع والاستعمال والحمل لضبط فهم الكلام وتجنب الخلط بين أنواعه.

  • اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، وقد نزل القرآن بلسان عربي مبين لتحقيق التعقل والتقوى.

تعريف الخبر في اللغة العربية وعلاقته بالصدق والكذب

الخبر والإنشاء

ينقسم الكلام العربي إلى نوعين رئيسين من الأساليب. الأول يسمى الخبر وعرّفوه بأنه ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، مثل قولنا الشمس مشرقة. فانه إذا تمت المقارنة بين هذه الجملة والواقع فقد تكون صدقا إن كانت في النهار والشمس مشرقة فعلا وقد تكون كذبا إذا كانت في الليل والشمس قد غربت ولم يبق لها وجود في قبة السماء. فالصدق والكذب وصفان لمقارنة الجمل المفيدة بالواقع. فإذا طابق الكلام الواقع فهو الصدق وإذا خالف الكلام الواقع فهو الكذب.

تعريف الإنشاء وبيان الفرق بين طلب الحكم والحكم

أما الإنشاء فيشمل السؤال والأمر ونحو ذلك. حيث لا يمكن أن نصف الكلام مع مقارنته بالواقع بأنه صدق أو كذب. فلو سألت احدهم هل ذهبت أمس إلي المسجد؟ فانه لا يستطيع أن يقول لك كذبت أو صدقت. لأن السؤال يحتاج إلي جواب وهو في نفسه الخبر. ولذلك لا يوصف السؤال بأنه خبر ولا بأنه صدق. ولا بأنه حكم حيث انه يطلب الحكم. وطلب الحكم يختلف تماما عن الحكم.

أهمية التفرقة بين الخبر والإنشاء في التفكير والفهم

والتفرقة بين الخبر والإنشاء أساسية في التفكير المستقيم. ومن فقد التمييز بينهما فانه سوف يخطئ في نسبة الكلام إلي قائله وسوف يخطئ في فهم مراد المتكلم من كلامه. وسوف نصل بهذه الحالة إلي حوار الطرشان، إن صح التعبير. فإن الوظيفة الأولى للغة هي نقل المعاني من ذهن المتكلم إلي ذهن السامع بطريقة واضحة. وبعد الفهم الصحيح يمكن للسامع أن يرفض أو أن يصدق فيؤمن بما يقوله المتكلم. أما إذا لم يفهم ورفض ما تصوره في ذهنه، فانه يكون قد أنشأ واقع خياليا آخر غير الواقع في نفسه.

خطر التصورات الخاطئة وقاعدة الوضع والاستعمال والحمل

وإذا أصر الإنسان علي تصوراته الخاطئة، كان هذا حجابا له وحرمانا لنفسه من الفهم الصحيح. وهذه الحالة حذرنا منها ربنا سبحانه وتعالى في أكثر من موطن في القرآن الكريم، وأمر الناس أن يفهموه كما أراده من انزله، لا كما يريدون هم. ولذلك وضع الأصوليون وهو يبحثون في أسس الفهم قاعدة جديدة ذكروا فيها أن الاستعمال من صفة المتكلم وان الحمل من صفة السامع، وان الوضع قبلهما. فإذا كانت اللغة قد جعلت السؤال سؤالا وجعلت الحكم حكما والخبر خبرا، فان من يخلط بينها سوف يقع في خطأ فهم الكلام المسموع وينسب إليه ما لم يقله وما لم يرده.

ثبات قوانين اللغة والتحذير القرآني من إقفال القلوب والتلبيس

فإذا أصر السامع علي هذا الخلط فلن يضر إلا نفسه حيث ستذهب مصداقيته وستبقى قوانين اللغة كما هي، لان وضع اللغة كان قبل المتكلم وقبل السامع معا وسيظل كذلك بعدهما.

قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد:24]،

والقفل الذي علي القلب هو محاولة التلبيس الحاصل في قوانين اللغة. ويمكن أن يكون عن جهل وعلاج ذلك بالتعلم، فقال تعالى:

(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) [الزمر:9].

ويمكن أن يكون عن قصد وعلاج هذا بالتوبة.

قال تعالى: (لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [آل عمران:71].

استعمال الأساليب الإنشائية لإرادة الخبر مع أمثلة قرآنية

ومع دراسة اللغة بصورة أعمق يتبين لنا أن هناك أيضا أساليب إنشائية استعملت لإرادة الخبر وان هناك أساليب خبرية استعملت لإرادة الإنشاء. وهذه تحتاج إلي ربط بالسياق وفهم عميق لمراد المتكلم. فعندما يريد الله سبحانه وتعالى وهو العالم والعليم والعلام سؤالا، فإنما يريد به أن يخبرنا بشيء ما، لا أن يستفهم عنه لأنه سبحانه عليم بذات الصدور ويعلم ما في السماوات وما في الأرض، فليس في حاجة للسؤال.

فعندما يقول:

(هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًا) [مريم:65]،

فكأنه قال: انك لا تعلم له سميا.

استعمال الأساليب الخبرية لإرادة الإنشاء كالصلاة على النبي والإرضاع

وكذلك في القسم الثاني، حيث نعني بالخبر الإنشاء، فقد قال تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56].

فترى المسلمين يقولون عند ذكر المصطفى: صلى الله عليه وسلم. وهذه العبارة في حقيقتها خبر استفادوه من تلك الآية، لكن هم يريدون به الدعاء والدعاء من باب الإنشاء لما فيه من الطلب. فمرادهم أن يقولوا اللهم صلى علي محمد. ورأينا من اعترض من المحدثين علي هذه الصيغة، أعنى صلى الله عليه وسلم، لعدم علمه بهذه القاعدة من جواز استعمال أساليب خبرية لإرادة الإنشاء.

ومن هذا القبيل قوله تعالى:

(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) [البقرة:233]،

وهو خبر لكنه مراد به ارضعن أولادكن، فهو من قبيل الأمر الذي هو إنشاء.

آية ومن دخله كان آمنا بين الخبر والإنشاء

ويمكن أن نجد أمثلة تصلح لأن تكون خبرا يراد به الخبر وان تكون أيضا قد يراد بها الإنشاء، مثل قوله تعالى في شأن البيت الحرام أو الكعبة:

(وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)َ [آل عمران:97]،

ومعناه امّنوا من دخل فيه أو معناه أن الله سبحانه وتعالى قد خص من دخل الكعبة وقدر له هذا الشرف بأنه يكون آمنا يوم القيامة فهو من قبيل الخبر لأنه وعد والوعد من الله لا يخلف، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) [النساء:122].

عالمية التفرقة بين الخبر والإنشاء وعلاقة اللغة بالفكر والقرآن

إن التفرقة بين الخبر والإنشاء علي أهميته في اللغة العربية وأهمية التدرب عليه لفهم النصوص ولفهم كلام الناس وللقدرة علي التعبير الصحيح، إلا انه ليس خاصا باللغة العربية بل إننا نجده في اللغة الإنجليزية مثلا، ونرى الاهتمام البليغ به، حيث اتفق البشر علي أن وظيفة اللغة مسألة أساسية في الفهم وفي تراكم المعرفة وفي الجوار الحسن وفي الأمن الاجتماعي وفي التطور البشري، فمن الحقائق التي لا نمل من تكرارها، أن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة.

ويلخص ذلك كله قوله تعالى:

(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف:2]،

وقوله تعالى:

(بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) [الشعراء:195]،

وقوله:

(قُرْآنًا عَرَبِيًا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الزمر:28]،

وقوله:

(كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [فصلت:3].

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الوصف الصحيح للخبر في اللغة العربية؟

ما يحتمل الصدق والكذب لذاته

لماذا لا يُوصف السؤال بالصدق أو الكذب؟

لأنه يطلب الحكم ولا يُصدره

ما الذي يحدث حين يخلط السامع بين الخبر والإنشاء؟

ينسب للمتكلم ما لم يقله

ما المقصود بقاعدة الوضع والاستعمال والحمل عند الأصوليين؟

الوضع قبل المتكلم والسامع والاستعمال من صفة المتكلم والحمل من صفة السامع

ما تفسير قوله تعالى: هل تعلم له سميًا، من حيث الخبر والإنشاء؟

أسلوب إنشائي يُراد به الخبر بمعنى أنك لا تعلم له سميًا

ما الوجه البلاغي في عبارة صلى الله عليه وسلم التي يقولها المسلمون؟

خبر يُراد به الإنشاء وهو الدعاء

قوله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، ما نوع هذا الأسلوب ومراده؟

خبر يُراد به الأمر وهو إنشاء

ما المعنيان المحتملان لقوله تعالى: ومن دخله كان آمنًا؟

الأمر بتأمين من دخله أو الخبر بالوعد الإلهي بالأمان

هل التفرقة بين الخبر والإنشاء خاصة باللغة العربية؟

لا، بل توجد في سائر اللغات كالإنجليزية

ما العلاج القرآني للخلط المتعمد في قوانين اللغة؟

التعلم إن كان عن جهل والتوبة إن كان عن قصد

ما الفرق الجوهري بين الخبر والإنشاء؟

الخبر يحتمل الصدق والكذب بمقارنته بالواقع، أما الإنشاء فلا يوصف بصدق أو كذب لأنه يطلب الحكم ولا يُصدره.

متى يكون الكلام صادقًا ومتى يكون كاذبًا؟

يكون الكلام صادقًا إذا طابق الواقع، ويكون كاذبًا إذا خالف الواقع.

ما الوظيفة الأولى للغة؟

الوظيفة الأولى للغة هي نقل المعاني من ذهن المتكلم إلى ذهن السامع بطريقة واضحة.

ما معنى قاعدة الوضع عند الأصوليين؟

الوضع هو ما جعلته اللغة أصلًا قبل المتكلم والسامع معًا، وسيظل كذلك بعدهما.

ما الفرق بين الاستعمال والحمل في قاعدة الأصوليين؟

الاستعمال من صفة المتكلم أي كيف يستخدم الكلام، والحمل من صفة السامع أي كيف يفهمه.

ما القفل الذي على القلب المذكور في قوله تعالى: أم على قلوب أقفالها؟

القفل هو محاولة التلبيس الحاصل في قوانين اللغة، سواء أكان عن جهل أم عن قصد.

لماذا لا يسأل الله سبحانه وتعالى استفهامًا حقيقيًا في القرآن؟

لأنه سبحانه عليم بذات الصدور ويعلم ما في السماوات وما في الأرض، فليس في حاجة للسؤال.

ما المراد الحقيقي من قول المسلمين صلى الله عليه وسلم؟

مرادهم الدعاء وهو إنشاء، أي اللهم صلِّ على محمد، وإن كانت الصيغة خبرية.

ما الدليل القرآني على أن القرآن نزل عربيًا لتحقيق التعقل؟

قوله تعالى: إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون، وقوله: بلسان عربي مبين.

ما العلاقة بين اللغة والفكر؟

اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، ولذلك اتفق البشر على أن وظيفة اللغة أساسية في الفهم وتراكم المعرفة والتطور البشري.

ما الخطر الناجم عن الإصرار على التصورات الخاطئة عند فهم الكلام؟

يكون ذلك حجابًا يحرم الإنسان من الفهم الصحيح، وتذهب مصداقيته بينما تبقى قوانين اللغة كما هي.

ما الآية القرآنية التي تنهى عن لبس الحق بالباطل؟

قوله تعالى: لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون، من سورة آل عمران.

ما الدلالة البلاغية لآية: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين؟

هي خبر في صيغتها لكن مرادها الأمر بالإرضاع، فهي من قبيل الخبر الذي يُراد به الإنشاء.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!