اكتمل ✓

ما هو دستور التسامح في الإسلام وكيف تعامل المسلمون مع غير المسلمين عبر التاريخ؟

دستور التسامح في الإسلام يقوم على وحدة الأصل الإنساني وتكريم بني آدم دون تمييز بالدين أو اللون أو الجنس. أمر الله بالبر والقسط مع غير المحاربين من غير المسلمين، وضرب النبي ﷺ والخلفاء الراشدون أروع الأمثلة في صون حرياتهم الدينية وحقوقهم. ميزان التفاضل في الإسلام هو التقوى لا العرق أو الجنسية.

ما هو دستور التسامح في الإسلام وكيف تعامل المسلمون مع غير المسلمين عبر التاريخ؟
ما هو دستور التسامح في الإسلام وكيف تعامل المسلمون مع غير المسلمين عبر التاريخ؟
3 دقائق قراءة
  • كيف يُعالج الإسلام التمييز العنصري وهل يضمن كرامة الإنسان بصرف النظر عن دينه أو لونه؟

  • أعلن القرآن الكريم وحدة الأصل الإنساني وكرّم بني آدم جميعاً دون استثناء أو تمييز بالدين أو اللون أو الجنس.

  • حدد الإسلام دستوراً واضحاً في التعامل مع غير المسلمين يقوم على البر والقسط مع كل من لم يحارب المسلمين.

  • تستند النظرة المتسامحة في الإسلام إلى حقائق راسخة: وحدة الأصل البشري، وتكريم الإنسان، وأن الاختلاف في الدين أمر قدري.

  • أبرم النبي ﷺ معاهدات مع أهل نجران المسيحيين تضمن حرية المعتقد وصون أماكن العبادة والحقوق المدنية كاملة.

  • واصل عمر بن الخطاب هذا النهج في عهده مع أهل إيلياء، فصان كنائسهم وحرياتهم الدينية ونهى عن إكراههم.

وحدة الأصل الإنساني وتكريم الإنسان في المنظور القرآني

دستور التسامح في الإسلام

وضع القرآن الكريم قواعد واضحة للعائلة البشرية‏,‏ وأعلن في صورة واضحة لا تحتمل اللبس أو التأويل أن الناس خلقوا جميعا من نفس واحدة‏,‏ مما يعني وحدة الأصل الإنساني.

فقال تعالى:‏

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء‏:1],‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ الناس بنو آدم وآدم من تراب ‏(سنن أبي داود 331/4,‏ والترمذي ‏735/5),‏ لذلك فالناس جميعا في نظر الإسلام لهم الحق في العيش والكرامة دون استثناء أو تمييز‏,‏ فالإنسان مكرم في نظر القرآن الكريم‏,‏ دون النظر إلى دينه أو لونه أو جنسه‏,‏ قال تعالى‏: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء:70],‏ ولا يصح أن يكون اختلاف البشر في ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم ودياناتهم سببا في التنافر والعداوة‏,‏ بل إنه يجب أن يكون داعيا للتعارف والتلاقي على الخير والمصلحة المشتركة كما أخبرنا الله عز وجل بقوله‏: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات‏:13],‏ وميزان التفاضل الذي وضعه القرآن الكريم إنما هو فيما يقدمه الإنسان المؤمن من خير للإنسانية كلها (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ).‏

نظرة الإسلام لغير المسلمين ودستور البر والقسط معهم

لكل ذلك نظر الإسلام إلى غير المسلمين‏,‏ خاصة أهل الكتاب‏,‏ نظرة تكامل وتعاون‏,‏ وبالأخص في المصالح المشتركة على قاعدة من القيم والأخلاق التي دعت إليها كل الأديان‏,‏ بل وتلك التي حظيت بالقبول والرضا من بني الإنسان‏.‏

ودستور الإسلام في التعامل مع غير المسلمين يتلخص في قوله تعالى‏:

(لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ) [الممتحنة‏:8],‏

ومن هذه الآية وغيرها حدد الإسلام الأصول التي يجب مراعاتها عند التعامل مع الآخر‏,‏ وقوام تلك الأصول هو التسامح الذي هو وثيق الصلة بالعفو الذي يعني التجاوز عن الذنب وإسداء الإحسان وفعل الخيرات‏.‏

الأسس الفكرية للنظرة المتسامحة والعدل مع المخالفين في الدين

ويرجع أساس النظرة المتسامحة التي تسود المسلمين في معاملة مخالفيهم في الدين إلى الأفكار والحقائق الناصعة التي غرسها الإسلام في عقول المسلمين وقلوبهم‏,‏ ومن أهم تلك الحقائق‏:‏ وحدة الأصل البشري‏,‏ تكريم الإنسان‏, الاختلاف في الدين أمر قدري بمشيئة الله تعالى‏,‏ المسلم غير مكلف بمحاسبة غيره من المخالفين له‏,‏ فضلا عن إكراهه وجبره لمخالفة دينه‏,‏ حث الإسلام على العدل الذي به ينتظم الوجود الإنساني‏.‏

ويتعامل الإسلام مع غير المسلمين على مستويين‏,‏ الأول‏:‏ الفرد أو الجماعة غير المسلمة في المجتمع المسلم‏,‏ والمستوى الثاني‏:‏ الجماعة غير المسلمة المتعاملة مع الدول الإسلامية‏.‏

النموذج الإسلامي في التعامل مع غير المسلمين عبر التاريخ

والإسلام ضرب أروع الأمثلة في التعامل مع غير المسلمين في كلا المستويين‏,‏ وكان نموذجا يحتذى به في التعامل مع الآخر‏,‏ سواء في نظامه التشريعي أو النظري‏,‏ أو في نظامه التطبيقي‏,‏ وهو ما يشهد به التاريخ الإنساني عبر القرون‏.‏

فقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم اهتماما فائقا بإظهار الرحمة والتسامح والعفو مع غير المسلمين‏,‏ وحذر أشد التحذير من ظلم واحد منهم‏,‏ فقال‏: من ظلم معاهدا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته‏,‏ أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه‏,‏ فأنا حجيجه يوم القيامة ‏(سنن أبي داود ‏170/3, والترمذي ‏336/3).‏

معاهدة النبي مع أهل نجران وضمان حريتهم الدينية

ولما توسعت رقعة الدولة الإسلامية زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت هناك مجموعة كبيرة من القبائل المسيحية العربية‏,‏ وبخاصة في نجران‏,‏ فما كان منه إلا أن أقام معهم المعاهدات التي تؤمن لهم حرية المعتقد‏,‏ وممارسة الشعائر‏,‏ وصون أماكن العبادة‏,‏ بالإضافة إلى ضمان حرية الفكر والتعلم والعمل‏,‏ فلقد جاء في معاهدة النبي لأهل نجران‏:‏ ولنجران وحاشيتهم جوار الله‏,‏ وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم‏,‏ وملتهم‏,‏ وأرضهم‏, وأموالهم‏,‏ وغائبهم‏,‏ وشاهدهم‏,‏ وبيعهم‏,‏ وصلواتهم‏,‏ لا يغيرون أسقفا عن أسقفيته‏,‏ ولا راهبا عن رهبانيته‏,‏ ولا واقفا عن وقفانيته‏,‏ وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي أبدا حتى يأتي الله بأمره إن نصحوا وأصلحوا‏ (دلائل النبوة للبيهقي ‏389/5).

عهد عمر بن الخطاب مع أهل إيلياء وصون الكنائس والحرية الدينية

وفي عهد ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب يبين أن المسلمين صاروا على سنة نبيهم حيث عاهد أهل إيلياء ‏(‏القدس‏)‏ فنص على حريتهم الدينية‏,‏ وحرمة معابدهم وشعائرهم فقال‏:‏ لا تسكن كنائسهم‏,‏ ولا تهدم‏,‏ ولا ينتقص منها‏,‏ ولا من حيزها‏,‏ ولا من صليبها‏,‏ ولا من شيء من أموالهم‏,‏ ولا يكرهون على دينهم‏,‏ ولا يضار أحد منهم‏,‏ ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود ‏(تاريخ الطبري ‏449/2).‏

وهكذا كان تعامل المسلمين مع غيرهم عبر التاريخ‏.‏

مكانة أقباط مصر والوصية النبوية بهم خيرا

ولأقباط مصر كبير الشأن والمنزلة عند كل المسلمين عامة‏,‏ ومسلمي مصر خاصة‏,‏ فقد روت أم سلمة رضي الله تعالى عنها‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عند وفاته فقال‏:‏ الله الله في قبط مصر‏,‏ فإنكم ستظهرون عليهم‏,‏ ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله ‏(الطبراني في الكبير ‏265/23),‏ وقال في حديث آخر‏:‏ إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط‏,‏ فاستوصوا بأهلها خيرا‏,‏ فإن لهم ذمة ورحما ‏(صحيح مسلم‏1970/4).‏

كل هذه النصوص الكثيرة المذكورة وغيرها الكثير لم يذكر لعدم اتساع المقام توضح سماحة الإسلام والمسلمين في تراثهم وفكرهم ونظرياتهم تجاه غير المسلمين‏.‏

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الآية القرآنية التي تُعدّ دستور الإسلام في التعامل مع غير المسلمين؟

لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ

ما ميزان التفاضل بين الناس في الإسلام وفق آية الحجرات؟

التقوى

ماذا قال النبي ﷺ فيمن يظلم معاهداً؟

فأنا حجيجه يوم القيامة

ما الذي ضمنته معاهدة النبي ﷺ مع أهل نجران؟

حرية المعتقد وصون أماكن العبادة والحقوق المدنية

ما الذي نصّ عليه عهد عمر بن الخطاب مع أهل إيلياء؟

عدم هدم الكنائس وعدم إكراه أحد على الدين

بماذا وصف النبي ﷺ أقباط مصر في وصيته عند وفاته؟

أنهم عدة وأعوان في سبيل الله ولهم ذمة ورحم

ما الغاية من خلق الناس شعوباً وقبائل وفق آية الحجرات؟

التعارف والتلاقي على الخير

على كم مستوى يتعامل الإسلام مع غير المسلمين؟

مستويين: الفرد أو الجماعة في المجتمع المسلم، والجماعة المتعاملة مع الدول الإسلامية

ما الحديث النبوي الذي يُؤكد وحدة الأصل الإنساني؟

الناس بنو آدم وآدم من تراب

ما الصفة التي وصف بها الإسلام الاختلاف في الدين بين البشر؟

أمر قدري بمشيئة الله تعالى

ما الآية القرآنية التي تُعلن وحدة الأصل الإنساني؟

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [النساء:1]، مما يُقرر أن الناس جميعاً من أصل واحد.

ما معنى التسامح في الإسلام وبماذا يرتبط؟

التسامح في الإسلام وثيق الصلة بالعفو الذي يعني التجاوز عن الذنب وإسداء الإحسان وفعل الخيرات.

ما الأسس الفكرية الرئيسية للنظرة المتسامحة في الإسلام؟

تشمل: وحدة الأصل البشري، تكريم الإنسان، أن الاختلاف في الدين أمر قدري، وأن المسلم غير مكلف بمحاسبة غيره أو إكراهه، فضلاً عن حث الإسلام على العدل.

ما الآية التي تُكرّم بني آدم جميعاً في القرآن الكريم؟

قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء:70].

ما الغرض من تنوع الشعوب والقبائل وفق القرآن الكريم؟

التعارف والتلاقي على الخير والمصلحة المشتركة، لا التنافر والعداوة، كما في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا).

كيف نظر الإسلام إلى أهل الكتاب تحديداً؟

نظر إليهم نظرة تكامل وتعاون، وبالأخص في المصالح المشتركة على قاعدة من القيم والأخلاق التي دعت إليها كل الأديان.

ما الحديث النبوي الذي يُحذّر من ظلم المعاهد؟

قال ﷺ: «من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة».

ما الحقوق التي كفلتها معاهدة النبي ﷺ لأهل نجران؟

كفلت لهم جوار الله وذمة النبي على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم، وحرية المعتقد والشعائر وصون أماكن العبادة وحرية الفكر والتعلم والعمل.

ما الذي نصّت عليه معاهدة نجران بشأن رجال الدين المسيحيين؟

نصّت على عدم تغيير أسقف عن أسقفيته ولا راهب عن رهبانيته ولا واقف عن وقفانيته.

ما الخليفة الراشدي الذي أبرم عهداً مع أهل إيلياء وصان كنائسهم؟

عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي نصّ في عهده على عدم هدم الكنائس والنهي عن إكراه أحد على دينه.

ما الوصية النبوية بأقباط مصر وما مضمونها؟

أوصى النبي ﷺ بقوله: «الله الله في قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعواناً في سبيل الله»، وأكد أن لهم ذمة ورحماً.

ما الحديث النبوي الذي يُثبت لأهل مصر ذمة ورحماً؟

قال ﷺ: «إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً» (صحيح مسلم).

على أي مستويين يتعامل الإسلام مع غير المسلمين؟

الأول: الفرد أو الجماعة غير المسلمة في المجتمع المسلم. الثاني: الجماعة غير المسلمة المتعاملة مع الدول الإسلامية.

ما الذي يشهد به التاريخ الإنساني عن تعامل الإسلام مع غير المسلمين؟

يشهد التاريخ بأن الإسلام كان نموذجاً يُحتذى به في التعامل مع الآخر، سواء في نظامه التشريعي النظري أو في تطبيقه العملي عبر القرون.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!