اكتمل ✓

كيف وفّقت التجربة المصرية بين الشريعة الإسلامية والليبرالية والديمقراطية في التشريع والدساتير؟

التجربة المصرية جمعت بين قواعد الليبرالية والديمقراطية والشريعة الإسلامية عبر مسار تشريعي متدرج، بدأ بدستور 1923 الذي اشترك في وضعه علماء وفقهاء، وانتهى بدستور ينص على أن التشريع الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع مع بقاء الطابع الليبرالي للدولة. وقد أسهم السنهوري باشا في بناء هذا المشروع الفكري من خلال اشتقاق قانون مدني حديث من الشريعة الإسلامية، مع التفريق بين الربا والفائدة، واعتماد مفهوم عصر الشبهة في القانون الجنائي.

كيف وفّقت التجربة المصرية بين الشريعة الإسلامية والليبرالية والديمقراطية في التشريع والدساتير؟
كيف وفّقت التجربة المصرية بين الشريعة الإسلامية والليبرالية والديمقراطية في التشريع والدساتير؟
4 دقائق قراءة
  • هل يمكن الجمع بين الشريعة الإسلامية والليبرالية والديمقراطية في منظومة تشريعية واحدة؟ التجربة المصرية تقدم إجابة عملية على هذا السؤال.

  • السنهوري باشا فرّق في كتابه «مصادر الحق» بين الربا المحرم وفائدة رأس المال، مستنداً إلى اجتهاد فقهي مقارن يشبه تمييز توماس الإكويني بين interest وusury.

  • مشروع السنهوري الفكري كان اشتقاق قانون مدني عربي حديث من الشريعة الإسلامية يصلح لمصر والعراق وسائر البلاد العربية.

  • دستور 1923 الليبرالي وُضع بمشاركة علماء كالشيخ محمد بخيت المطيعي، وظلت الدساتير المصرية تتدرج نحو الشريعة حتى نصّ الدستور الأخير على أن التشريع الإسلامي مصدره الرئيسي.

  • مفهوم «عصر الشبهة» استُخدم لتبرير السكوت عن تطبيق الحدود في القانون الجنائي، قياساً على إيقاف عمر بن الخطاب للحدود في عام الرمادة دون إنكار لمشروعيتها.

  • التجربة المصرية قُرئت بأحكام متضاربة بين الليبرالية المحضة والتطرف الإسلامي، والصواب أن تُقرأ قراءة متوازنة بعيدة عن التطرف في الاتجاهين.

اجتهاد السنهوري في التفريق بين الربا والفائدة ومصادر الحق

التجربة المصرية (3)

والدكتور السنهوري حالة يجب دراستها جيدا من خلال رسالته الدكتوراه التي تقدم بها إلى السربون، والتي دعا فيها إلى البديل الفعلي للخلافة الإسلامية، ومن خلال مذكراته المنشورة، وكتابه الماتع (مصادر الحق) في ستة أجزاء، والذي ذهب فيه على سبيل الاجتهاد إلى التفرقة بين الربا والفائدة، باعتبار أن الربا هو ربا الجاهلية الأضعاف المضاعفة، وأن الفائدة وكأنها مقابل تدوير رأس المال، الذي هو أحد عناصر الإنتاج الأربعة (الأرض-التنظيم-العمل-رأس المال) وهو كلام قد نجده في أدبيات توماس الإكويني في التفرقة بين interest و usury

مشروع القانون المدني العربي المشتق من الشريعة في فكر السنهوري

يقول الدكتور السنهوري في (إننا إذا اقتصرنا على تقليد هذه القوانين، على اعتبار أن هذه هي الغاية من تطور الفقه الإسلامي، لا نكون قد صنعنا شيئًا، ويكون الأولى أن نقتبس مباشرة من القوانين الغربية ... الواجب أن تدرس الشريعة الإسلامية دراسة علمية دقيقة وفقا لأصول صناعتها، ولا يجوز أن نخرج على هذه الأصول بدعوى أن التطور يقتضي هذا الخروج)

وقال: (والذي نبغيه من دراسة الفقه الإسلامي، وفقا لأصول صناعته، حتى نشتق منه قانونا حديثا يصلح للعصر الذي نحن فيه... القانون النهائي الدائم لكل من مصر والعراق، بل ولجميع البلاد العربية، إنما هو القانون المدني العربي الذي نشتقه من الشريعة الإسلامية بعد تطورها). [القانون المدني العربي، مجلة القضاء (نقابة المحامين في العراق) العددان 1 ،2 سبتمبر، عام 1962].

مشاركة السنهوري والعلماء في التشريعات ودستور 1923 الليبرالي

ويتبين من هذا مشروعه الفكري الذي كان يأمله وحققه بهذه الطريقة حيث شارك في وضع التشريع العراقي، والتشريع الأردني، ولقد وضع المصريون دستور سنة 1923م، ولقد وضع بلجنة اشترك فيها علامة زمانه الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية، بعد أن ترك منصب الإفتاء في سنة 1920م، والشيخ محمد بخيت المطيعي علم من أعلام القرن العشرين في علمه واتساع أفقه واجتهاداته التي ملأت الآفاق، ويصف كثير من المحللين دستور 1923 بأنه أشد ليبرالية مما تلاه من الدساتير، وظل الدساتير المصرية تأخذ في الاقتراب من الشريعة على النهج الكامل في نفسية السنهوري باشا وتلامذته حتى الدستور الأخير الذي نص على أن مصر بلد إسلامي، وأن التشريع الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع، مع بقاء ليبرالية الدولة وديمقراطيتها، واختلط على كثير من الناس أن هناك سلطة دينية في البلاد، والأمر غير ذلك، السلطة الدينية تتمثل في الأغلبية الكبيرة للمسلمين، وهم متدينيون بطبعهم وتاريخهم وواقعهم، مما يحدث إشكالية فريدة أمام النظام الليبرالي والديمقراطي في العالم، بل إن كثيرا من كهنة الديمقراطية لا يعرفون المعنى الدقيق لكلمة الثقافة السائدة التي نراها في المجتمع الألماني المعاصر، ويرونها مسألة ذات مفهوم هلامي أو غامض على الأقل.

التجربة المصرية بين الليبرالية والشريعة ومحاولات تغيير اللغة والهوية

ولكن التجربة المصرية تضع هذه المسألة على محك التجربة والفكر البشري، ومعنى هذا أن بتطبيق قواعد الليبرالية والديمقراطية وعدم التخلي عنها وصلنا إلى ذلك الدستور، ووصلنا أيضا إلى محكمة دستورية تراقب القانون طبقا للشريعة الإسلامية، وقام المنظرون ليفرقوا بين الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية، وأن شعب مصر بكل طوائفه وأديانه مندرج تحت هذه الحضارة ولا يريد أن يخرج عنها، ولذلك نرى الدعوة إلى العودة إلى اللغة القبطية لا تؤيد حتى من قبل أقباط مصر، ونرى الدعوى أيضا لما أثير من كتابة اللغة العربية بالحروف الأجنبية الإفرنجية في العشرينيات لا تلقى قبولا وتموت مع الدعاوي التي ظهرت وماتت، ونرى أيضا أن الدعوة إلى استعمال العامية مع مستر كوكس في أواخر القرن التاسع عشر، والذي تتبعتها الدكتور نفوسة زكريا في كتابها الماتع (عن تاريخ الدعوة إلى العامية في مصر) والمطبوع بدار المعارف بالإسكندرية حيث بينت فيه قيام هذه الدعوة وسقوطها.

تنظيم الفائدة في القانون المدني ومفهوم عصر الشبهة ودرء الحدود

وإذا كان السنهوري باشا وهو ينص على الفائدة في القانون المدني، ويحددها بنسبة بسيطة ولا يقر الربا، ويفرق هذا الفرق بين الفائدة والربا كما فصله في مصادر الحق، فإنه يحاول أن يجعل القانون المدني كله خاليا عن شائبة الانسلاخ عن الشريعة، وبالمثل فإن المناقشات التي حدثت في أواخر القرن التاسع عشر حول القانون الجنائي، وأنه يخلو من مسألة إقامة الحدود أثيرت فيها قضية مفهوم عصر الشبهة، وهو أننا نتمثل إلى الشريعة حينما نسكت عن قضية الحدود من غير إنكار لها، بل نقر أن الله سبحانه وتعالى جعل حدود بإزاء تلك الجرائم الحدية كالسرقة والزنا والقتل ونحوها، إلا أن هذه الجرائم تندرج تحت قاعدة عامة شرعية، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) [رواه الترمذي]، ويؤخذ منه القاعدة المشهورة (ادرءوا الحدود بالشبهات) وأن عصرنا الذي نعيش فيه مع اتساعه وتغير ذمم الناس، وفقد شروط الشهادة الواردة في كتب الفقهاء جعله عصر شبهة، مما يناسبه السكوت عن الحدود في القوانين، وهذا يماثل ما فعله عمر بن الخطاب عندما أوقف الحدود في عام الرمادة، ولم يكن ذلك إنكارا له لأحقية الحد، ولا تعطيلا للشريعة، وإنما كان إشارة لتطبيق الشريعة بشروطها، ومن شروط الشريعة أن تتوافر حالة معينة إذا ما فقدت لا يطبع الحد، وهذا من عين الشريعة وليس من غيرها.

تأثير فكر عصر الشبهة على القوانين وتجارب الدول في تطبيق الحدود

هذا الفكر سواء أكان صحيحا أم خطئا، وسواء أكان اجتهادا صائبا أم جانبه الصواب، وسواء أوافقنا عليه أم خالفناه، فإنه هو الذي حكم الآباء الواضعين للقانون الجنائي، وكانت هناك تجارب أخرى في خارج مصر تتمثل في ذكر تلك الحدود في القوانين مع إيقافها بما أسموه للظرف الدولي، وهو معنى قريب من وصف العصر بالشبهة، لكن وصف العصر بالشبهة في رأيي أدق.

وفي تجربة أخرى ذكرت الحدود في القوانين وأوقفها القضاة، وفي تجربة ثالثة ذكرت الحدود في القوانين ونفذت مع اكتنافها في تنفيذها من مشكلات، وعلى كل حال فإن كلامنا هذا يدعو الباحثين إلى قراءة التجربة المصرية، بقراءة مختلفة عما تقرأ عليه الآن.

تعدد الأحكام على التجربة المصرية والدعوة لقراءة متوازنة

لقد قرأت بأنها تجربة ليبرالية محضة، وقرأت بأنها ليبرالية فاشلة، وقرأت بأنها إسلامية متطرفة، وقرأت بأنها كافرة مرتدة، ويبدو أن من ذهب إلى كل ذلك قد جانبه الصواب، وقد أخطأ خطئا بليغا في حق نفسه، وفي حق مصر وتجربتها، وفي حق الشباب الذي ضلل في وسط هذا الخضم الهائل من التطرف على الجانبين.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الكتاب الذي فصّل فيه السنهوري التفريق بين الربا والفائدة؟

مصادر الحق في ستة أجزاء

ما عناصر الإنتاج الأربعة التي استند إليها السنهوري في تبرير الفائدة؟

الأرض والتنظيم والعمل ورأس المال

من المفكر الغربي الذي فرّق بين interest وusury بما يشبه تمييز السنهوري بين الفائدة والربا؟

توماس الإكويني

ما الهدف النهائي الذي سعى إليه السنهوري من دراسة الفقه الإسلامي وفق أصول صناعته؟

اشتقاق قانون مدني عربي من الشريعة الإسلامية

من العالم الذي اشترك في وضع دستور 1923 المصري من علماء الشريعة؟

الشيخ محمد بخيت المطيعي

ما الحديث النبوي الذي استُند إليه في تأسيس قاعدة درء الحدود بالشبهات؟

ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله

ما الحدث التاريخي الذي يُقاس عليه مفهوم عصر الشبهة في تعليق الحدود؟

إيقاف عمر بن الخطاب للحدود في عام الرمادة

ما الكتاب الذي رصد تاريخ الدعوة إلى استعمال العامية في مصر وسقوطها؟

عن تاريخ الدعوة إلى العامية في مصر للدكتورة نفوسة زكريا

ما الوصف الذي يصف به كثير من المحللين دستور 1923 مقارنة بالدساتير المصرية اللاحقة؟

أشد ليبرالية مما تلاه من الدساتير

ما الجهة التي نشر فيها السنهوري مقاله عن القانون المدني العربي عام 1962؟

مجلة القضاء لنقابة المحامين في العراق

ما الأحكام المتضاربة التي صدرت على التجربة المصرية؟

ليبرالية محضة وليبرالية فاشلة وإسلامية متطرفة وكافرة مرتدة

في أي دولتين شارك السنهوري في وضع التشريعات بتطبيق مشروعه الفكري؟

العراق والأردن

ما رسالة الدكتوراه التي تقدم بها السنهوري إلى السربون وما موضوعها؟

تقدم السنهوري برسالة دكتوراه إلى السربون دعا فيها إلى البديل الفعلي للخلافة الإسلامية، وهي من أبرز مصادر فهم مشروعه الفكري.

ما تعريف الربا عند السنهوري في مقابل الفائدة؟

الربا عند السنهوري هو ربا الجاهلية الأضعاف المضاعفة، أما الفائدة فهي مقابل تدوير رأس المال بوصفه أحد عناصر الإنتاج الأربعة.

لماذا رفض السنهوري الاقتصار على تقليد القوانين الغربية؟

لأن الاقتصار على تقليد القوانين الغربية لا يُجدي شيئاً، والأولى الاقتباس المباشر منها، في حين أن الواجب دراسة الشريعة الإسلامية وفق أصول صناعتها لاشتقاق قانون حديث منها.

ما المقصود بمفهوم عصر الشبهة في الفقه الإسلامي؟

عصر الشبهة هو وصف للعصر الحاضر بسبب اتساعه وتغير ذمم الناس وفقد شروط الشهادة الفقهية، مما يجعل السكوت عن تطبيق الحدود تطبيقاً لقاعدة درء الحدود بالشبهات لا إنكاراً لها.

ما الفرق بين وصف العصر بالشبهة وتعليق الحدود للظرف الدولي؟

وصف العصر بالشبهة أدق فقهياً لأنه يستند إلى أصول شرعية راسخة، في حين أن تعليق الحدود للظرف الدولي معنى قريب منه لكن أقل دقة من الناحية الفقهية.

ما دلالة إيقاف عمر بن الخطاب للحدود في عام الرمادة؟

دلالته أنه لم يكن إنكاراً لأحقية الحد ولا تعطيلاً للشريعة، بل كان إشارة إلى تطبيق الشريعة بشروطها، إذ إن فقد الشروط يمنع تطبيق الحد من عين الشريعة لا من غيرها.

ما الثلاثة تجارب التي مرت بها الدول في التعامل مع الحدود في قوانينها؟

الأولى: ذكر الحدود وإيقافها بحجة الظرف الدولي. الثانية: ذكرها وإيقافها من قِبل القضاة. الثالثة: ذكرها وتنفيذها مع ما اكتنف تنفيذها من مشكلات.

لماذا فشلت دعوة العودة إلى اللغة القبطية في مصر؟

لأن شعب مصر بكل طوائفه وأديانه منتمٍ إلى الحضارة الإسلامية ولا يريد الخروج عنها، حتى إن أقباط مصر أنفسهم لم يؤيدوا هذه الدعوة.

ما الإشكالية الفريدة التي تطرحها التجربة المصرية أمام النظام الليبرالي الديمقراطي؟

الإشكالية هي أن الأغلبية الكبيرة من المصريين متدينون بطبعهم وتاريخهم وواقعهم، مما يجعل السلطة الدينية تتمثل في هذه الأغلبية لا في مؤسسة دينية رسمية، وهو أمر يصعب استيعابه في الأطر الليبرالية الغربية.

ما الفرق بين الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية كما طرحه المنظرون في التجربة المصرية؟

فرّق المنظرون بين الدين الإسلامي بوصفه عقيدة وعبادة، والحضارة الإسلامية بوصفها إطاراً حضارياً يندرج تحته شعب مصر بكل طوائفه وأديانه دون أن يريد الخروج عنه.

ما الدستور المصري الذي نصّ على أن التشريع الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع؟

الدستور المصري الأخير الذي نصّ على أن مصر بلد إسلامي وأن التشريع الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع، مع بقاء ليبرالية الدولة وديمقراطيتها.

ما الخطأ الذي وقع فيه من أصدروا أحكاماً متطرفة على التجربة المصرية؟

أخطأوا خطأً بليغاً في حق أنفسهم وفي حق مصر وتجربتها، وفي حق الشباب الذي ضُلِّل في خضم التطرف على الجانبين، سواء من وصفها بالليبرالية الكافرة أو بالإسلامية المتطرفة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!