اكتمل ✓

ما منهج فهم التراث الإسلامي وما الحدود الضرورية للفهم الصحيح واستخلاص المناهج منه؟

منهج فهم التراث الإسلامي يقوم على ثلاث مراحل متتالية: الفهم أولاً، ثم التجريد، ثم الاستنباط. ولا يصح الفهم إلا في ضوء خمسة حدود هي: اللغة العربية، والإجماع، ومقاصد الشريعة، والنموذج المعرفي، والقواعد الفقهية. والهدف الأسمى هو استخلاص المناهج وطرائق التفكير لا مجرد حفظ الجزئيات.

ما منهج فهم التراث الإسلامي وما الحدود الضرورية للفهم الصحيح واستخلاص المناهج منه؟
ما منهج فهم التراث الإسلامي وما الحدود الضرورية للفهم الصحيح واستخلاص المناهج منه؟
3 دقائق قراءة
  • كيف يمكن لطالب العلم أن يتعامل مع التراث الإسلامي دون أن يقع في فخ التطبيق قبل الفهم؟

  • نقل الدين بصورة صحيحة يستلزم التمييز بين الوحي المنزَّه وسائر التراث البشري من فقه وفكر وتاريخ.

  • الفهم هو الخطوة الأولى الإلزامية قبل النقد أو التجريد أو التطبيق، وإغفاله يُفضي إلى قفز غير متوازن.

  • الموروث الإسلامي مكوَّن من نتاج فكري يتمحور حول القرآن والسنة، وواقع تاريخي يشمل خمسة عوالم متكاملة.

  • للفهم الصحيح للتراث خمسة حدود ضابطة: اللغة العربية، والإجماع، ومقاصد الشريعة، والنموذج المعرفي، والقواعد الفقهية.

  • أهم ما يُستخلص من التراث هو المناهج وطرائق التفكير، وهي الأصول ذاتها التي بنى عليها المنهج العلمي الحديث.

مهمة علماء الأزهر في نقل الدين وتمييز الوحي عن التراث البشري

رسالة إلى أبناء الأزهر الشريف

من المهام الأولى لعلماء الأزهر نقل هذا الدين لمن بعدنا بصورة صحيحة، وحتى يتأتى ذلك لابد أن نمتلك الأداة الضرورية اللازمة لفهم آليات التعامل مع «الموروث الإسلامي»، لنستطيع أن ننقله في إطاره الصحيح الذي وصل إلينا من أسلافنا إلى من يخلفنا، مع ضرورة حفظ التمييز بين الأصلين المنزَّهين (الكتاب والسُّنة)، وسائر التراث الذي اجتهد في إنتاجه المسلمون من علوم وفكر، وفقه وفتاوى، ورؤى وواقع تاريخي.

أولوية الفهم ومعالجة الفجوة بين الباحثين والموروث الإسلامي

لاشك أن هناك فجوة مشهودة بين أجيال الباحثين المعاصرين وهذا الموروث الثمين، فكثيراً ما نقرأ القرآن أو السُّنة أو علوم التراث الإسلامي ولا نفهم دلالات المقروء، فلا نستطيع الاستفادة منها، ومن ثم فإن أول مطلوب هو «الفهم»، فهو الخطوة الأولى لسائر الخطوات، فلا يمكنني نقد هذا الموروث أو تطبيقه دون فهم، وكثيراً ما يتساءل الباحثون عن آليات تطبيق هذا الموروث في مجالاتهم العلمية والبحثية الحالية، وعن «الحلقة الواصلة» بين الموروث وهذه العلوم الحديثة، في حين أن المطلوب أولاً -قبل التطبيق- هو «الفهم».

من الفهم إلى التجريد والاستنباط في التعامل مع الموروث

إن تحديد الهدف والخطوات وتمثُّل هذه الخطوات جيداً، هو أمر مطلوب جداً من أجل الوعي والاستفادة.. لكن تشوُّف الباحث إلى ما هو أمام، وتعجُّله قطف الثمار قبل النضج - وربما قبل الزرع والإنبات - هو ما يدفعه إلى نوع من القفز وعدم الاتزان، فأنا -كباحث أو كدارس اطَّلعت على العلوم الحديثة- أريد أن أستفيد مما رأيته أو استشعرته في الموروث من منهجية ومضمون في دراستي لهذه العلوم، وهذا -بعد تحقيق «الفهم»- يحتاج إلى عملية أكبر، وهي ما يمكن تسميتها بعملية «التجريد»، ثم تتلوها عملية ثالثة وهي «الاستنباط»، والمقصود بها استنباط المناهج والقواعد والأدوات التي يمكن بها أن نواصل المسيرة ونكمل البنيان، فليس المراد من الاطلاع على هذه العلوم والأفكار وما فيها من منهجيات أن نحاكيها، فتتوقف مسيرة العلم، ونذهب في رحلة موات، بل أن نستخلص منها ما نحتاج إليه.

مكونات الموروث الإسلامي ومحورية النص في الحضارة الإسلامية

إن الموروث -بجملته- عبارة عن مكوّنين: نتاج فكرى، وواقع تاريخي. النتاج الفكري له «محلٌ» عَمِل الفكر فيه، وهو القرآن والسُّنة مصدرا المعرفة الأساسيان عند المسلمين باعتبارهما وحياً. والنتاج الفكري له «ثمرة»، وهي ما يخرجه البشر بتفاعلهم مع هذا المحل من رؤى وأفكار وعلوم ومناهج وأحكام وممارسات. إن محور الحضارة الإسلامية الذي بنيت عليه هو (النص): الكتاب والسُّنَّة، فما معنى المحور؟ معنى المحور أن كل العلوم خادمة له، وقد أنشئت لتخدمه، وهو المعيار للتقويم، والإطار المرجعيّ.

نشأة علوم اللغة والبلاغة والتوثيق لخدمة النص الشرعي

قرأ المسلمُ النصَّ، فلما استعصى عليه أمرٌ ما فيه راح يبحث عن وسائل فهمه، فصار هناك المُعجم وظهرت التراكيب والنحو والصرف.. تساءل: هل هذا الكلام معتاد أم معجز؟ ما الذي جعله متميزاً؟ فظهر علم البلاغة.. تساءل: إذا كنت قد فهمت دلالات اللفظ (المفردات والتراكيب)، فماذا عن الدليل والمدلول؟ وبالمثل ظهر علم النقل والتوثيق، وهو علم لم يخرج مثله في الأمم، وذلك لخدمة الوثوق في النص، وتوالت التصنيفات بين علوم ذاتية كالتفسير والحديث، وعلوم مضمونية كالتوحيد والفقه، وتقسيمات أخرى هي من نتاج تعامل العقل المسلم مع النص.

علاقة الفقه بالقرآن الكريم كمصدر ومنطلق للتقويم

فالفقه -مثلاً- من القرآن إجمالاً، والقليل منه هو من القرآن مباشرةً، فهناك نحو مليون ومائتي ألف مسألة فقهية، بينما الآيات أقل من ذلك بكثير من حيث العدد والحجم، إلا أن القرآن العظيم منه الانطلاق، وإليه العودة، وبه التقويم، وله الخدمة، في علم الفقه وغيره من العلوم التي ورثناها.

الواقع كشق ثانٍ للموروث وعوالمه الخمسة ودور النص فيه

الشق الثاني للموروث -الذي يقابل النتاج الفكري- هو الواقع، وهو يتكون من خمسة عوالم: عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الرموز، وعالم الأفكار، وعالم الأحداث.. فما معنى أن النص الذي هو محور الحضارة له دور في التعامل مع عوالم الواقع؟ إن ذلك يعني أنني عندما أتعامل مع الواقع أضع على عيني نظارة النص.

المصادر الأصلية والنتاج البشري وحدود الفهم الصحيح للتراث

إذن الموروث إما مصادر أصلية وإما نتاجاً بشرياً، والواقع هو العوالم الخمسة، وما نريده في البداية هو الفهم -الفهم الصحيح- وليس النقد أو التجريد أو التطبيق، وعلى ذكر «الفهم الصحيح»، فمع الدعوة للتأمل وتحريك الذهن في مختلف المسائل، ننبه إلى أن هناك سقفاً للفهم الصحيح ينبغي ألا يتم تجاوزه، وهو يشتمل على خمسة حدود لابد من معرفتها والالتزام بها في مطالعة التراث:

الحدود الخمسة للفهم الصحيح للتراث وضبط الاجتهاد

  1. اللغة العربية، التي هي وعاء المنطق العربي المتصل بالفطرة الإسلامية.

  2. الإجماع، الذي ينبغي على الساعي إلى الفهم ألا يـخـرقه أو يتجاهله.

  3. المقاصد الكلية للشريعة، من حفظ الدين والنفس والعِرض أو النسل والعقل والمال.

  4. النموذج المعرفي، وهو ما نسميه العقيدة أو الرؤية الكلية.

  5. القواعد الفقهية أو المبادئ العامة للشريعة، من قبيل: لا ضرر ولا ضرار، لا تزر وازرة وزر أخرى... إلخ.

استخلاص المناهج وطرائق التفكير من التراث لبناء عقليات علمية

لابد من ذلك كله حتى نخرج عقليات من أمثال ابن مقلة وابن الهيثم والبيروني وابن خلدون وابن رشد وغيرهم، ونؤكد أن أهم ما يعنينا استخلاصه في هذا التراث هو «المناهج» وطرائق التفكير: كيف كانوا يُعملون عقولهم في واقعهم؟ ولا يهمنا بالضرورة «الموضوعات» أو الجزئيات التفصيلية التي كانوا يفكرون فيها. سأجد أنني أبحث في المصادر، وطرق البحث وأدواته، وآليات الاحتجاج والاستدلال، وفي شروط الباحث.. تلك الأمور التي أخذها روجر بيكون وجعلها أصولاً للمنهج العلمي الحديث، وهي لا تتجاوز تعريفات الرازي والبيضاوي لعلم أصول الفقه.

مطالعة التراث الكنز وأصالة المنهج الأزهري في طلب العلم

إن من يطالع هذا التراث الكنز -اليوم- سوف يُفاجأ بمنهج ضخم وأسئلة جوهرية ربما لا إجابة عنها إلا في هذا التراث نفسه، مطالعة هذا التراث هي أصل المنهج الأزهري القويم الذي يجب أن يكون الإطار العام لكل من أراد أن يسلك طريق العلم والتفقُّه.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الخطوة الأولى الإلزامية في التعامل مع الموروث الإسلامي قبل النقد أو التطبيق؟

الفهم

ما المقصود بعملية التجريد في منهج التعامل مع التراث الإسلامي؟

استخلاص المنهجية والمضمون من الموروث

كم عدد العوالم التي يتكون منها الواقع بوصفه الشق الثاني للموروث الإسلامي؟

خمسة عوالم

أيٌّ من التالي ليس من الحدود الخمسة للفهم الصحيح للتراث الإسلامي؟

الاجتهاد الفردي المطلق

ما الذي يُعدّ محور الحضارة الإسلامية الذي بُنيت عليه جميع العلوم؟

الكتاب والسنة باعتبارهما وحياً

ما الذي أخذه روجر بيكون وجعله أصولاً للمنهج العلمي الحديث وفق ما يُذكر في التراث الإسلامي؟

تعريفات الرازي والبيضاوي لعلم أصول الفقه

لماذا ظهر علم البلاغة في الحضارة الإسلامية؟

للكشف عن إعجاز النص وتميزه

ما الفرق بين المكوّنين الرئيسيين للموروث الإسلامي؟

النتاج الفكري والواقع التاريخي

ما الهدف الأسمى من مطالعة التراث الإسلامي وفق منهج الفهم الصحيح؟

استخلاص المناهج وطرائق التفكير

كم عدد المسائل الفقهية التقريبي في التراث الإسلامي مقارنةً بعدد الآيات القرآنية؟

نحو مليون ومائتي ألف مسألة تتجاوز عدد الآيات بكثير

ما الذي يعنيه كون النص محوراً للحضارة الإسلامية؟

أن كل العلوم خادمة له وأُنشئت لتخدمه وهو المعيار

ما المهمة الأولى لعلماء الأزهر تجاه التراث الإسلامي؟

نقل الدين لمن بعدهم بصورة صحيحة، مع التمييز بين الوحي المنزَّه وسائر التراث البشري من علوم وفقه وفكر وواقع تاريخي.

لماذا يُعدّ الفهم مقدَّماً على التطبيق في التعامل مع الموروث الإسلامي؟

لأنه لا يمكن نقد الموروث أو تطبيقه دون فهمه أولاً، والقفز إلى التطبيق قبل الفهم يُفضي إلى عدم الاتزان المنهجي.

ما الفرق بين التجريد والاستنباط في منهج التعامل مع التراث؟

التجريد هو استخلاص المنهجية والمضمون من الموروث، أما الاستنباط فهو استنباط المناهج والقواعد والأدوات التي تُمكِّن من مواصلة مسيرة العلم.

ما ثمرة النتاج الفكري في الموروث الإسلامي؟

ثمرة النتاج الفكري هي ما يُخرجه البشر بتفاعلهم مع القرآن والسنة من رؤى وأفكار وعلوم ومناهج وأحكام وممارسات.

ما الذي يعنيه وضع نظارة النص عند التعامل مع عوالم الواقع؟

يعني أن النص القرآني والسنة هما المرجع والمعيار في قراءة الواقع وتفسيره والتعامل مع عوالمه الخمسة.

ما العوالم الخمسة التي يتكون منها الواقع بوصفه شقاً من الموروث؟

عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الرموز، وعالم الأفكار، وعالم الأحداث.

ما الحد الأول من حدود الفهم الصحيح للتراث ولماذا هو ضروري؟

اللغة العربية، لأنها وعاء المنطق العربي المتصل بالفطرة الإسلامية، ولا يمكن فهم النصوص الشرعية والتراثية دونها.

ما المقاصد الكلية للشريعة التي تُعدّ حداً من حدود الفهم الصحيح؟

حفظ الدين والنفس والعرض أو النسل والعقل والمال، وهي المقاصد الكلية الخمسة التي تضبط الاجتهاد وتحمي من الانحراف.

ما المقصود بالنموذج المعرفي بوصفه حداً من حدود الفهم الصحيح؟

هو ما يُسمى العقيدة أو الرؤية الكلية، وهو الإطار الذي ينبغي أن يحكم فهم التراث ويمنع الخروج عن ثوابت الإسلام.

ما مثال على القواعد الفقهية التي تُعدّ حداً من حدود الفهم الصحيح؟

من أبرز هذه القواعد: لا ضرر ولا ضرار، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وهي مبادئ عامة للشريعة تضبط الاجتهاد.

ما أوجه الشبه بين منهج علماء الإسلام وأصول المنهج العلمي الحديث؟

أصول المنهج العلمي الحديث التي أرساها روجر بيكون لا تتجاوز تعريفات الرازي والبيضاوي لعلم أصول الفقه من حيث المصادر وطرق البحث وآليات الاحتجاج.

لماذا يُفاجأ الباحث حين يطالع التراث الإسلامي اليوم؟

لأنه يجد منهجاً ضخماً وأسئلة جوهرية ربما لا إجابة عنها إلا في هذا التراث نفسه، مما يكشف عمق هذا الإرث المعرفي.

ما الفرق بين العلوم الذاتية والعلوم المضمونية في التراث الإسلامي؟

العلوم الذاتية كالتفسير والحديث تتعلق بالنص ذاته، أما العلوم المضمونية كالتوحيد والفقه فتتعلق بمضامين النص وما يُستنبط منه.

ما الذي يميز علم النقل والتوثيق الإسلامي عن غيره من العلوم عند الأمم الأخرى؟

علم النقل والتوثيق الإسلامي لم يخرج مثله في الأمم الأخرى، وقد نشأ خصيصاً لضمان الوثوق في النص الشرعي وصحة نسبته.

ما الخطر الذي يقع فيه الباحث حين يتعجَّل قطف الثمار قبل النضج في التعامل مع التراث؟

يقع في نوع من القفز وعدم الاتزان المنهجي، إذ يسعى إلى التطبيق أو الاستنباط قبل تحقيق الفهم الصحيح الذي هو الأساس.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!