اكتمل ✓

ما هو جهاد النفس وما علاقته بالعفاف الباطني والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

جهاد النفس هو الجهاد الأكبر الذي يتمثل في العفاف الباطني، ويشمل أخلاقاً كالرحمة والحلم والتواضع والشهامة. وهو الأساس الذي يقوم عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ من فقد العفاف الباطني لا يلتفت إلى هذه المعاني ولا يضعها في مكانها الصحيح. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ترك الجهاد يُفضي إلى الذلة حتى يرجع المسلمون إلى دينهم.

ما هو جهاد النفس وما علاقته بالعفاف الباطني والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
ما هو جهاد النفس وما علاقته بالعفاف الباطني والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
3 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن يكون فقدان الأخلاق الباطنية سبباً في ذل الأمم وضياع الجهاد؟

  • العفاف الباطني هو مجموعة الأخلاق التي تجعل الإنسان إنساناً حقيقياً، وتشمل الرحمة والحلم والتواضع والشهامة.

  • الرحمة من أبرز صفات العفاف الباطني، وقد أكد النبي أن الراحمين يرحمهم الرحمن.

  • الحلم والأناة يُمكّنان الإنسان من رؤية الحقيقة دون تسرع أو تحيز، وهما أساس التدقيق والتثبت في العلم.

  • التواضع لله فريضة، والكبر مانع من دخول الجنة، مع التمييز بين الكبر المذموم والعزة المشروعة في طلب الحق.

  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد النفس ركيزتان متلازمتان، وتركهما يُسلّط الذل على الأمة.

تعريف العفاف الباطني وعلاقته بالعفاف الظاهر

العفاف الباطن

والعفاف الظاهر يؤدي إلى العفاف الباطن وكذلك فإن فقد العفاف الظاهر يؤدي إلى فقد العفاف الباطن، والعفاف الباطن نعني به مجموعة الأخلاق التي يصبح بها الإنسان إنساناً:

ومن أنواع العفاف الباطن الرحمة، والتي نراها مكررة في كلمة الابتداء "بسم الله الرحمن الرحيم" ، وفي الحديث: كل أمر ذي بال لا يبدأ بذكر الله فهو أبتر، وفي رواية "ببسم الله" وفي رواية "بالحمد لله" (الجامع الكبير للسيوطي)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الأولية، والذي جعله المحدثون أول حديث يعلمونه تلاميذهم:

«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (البخاري)،

ويقول النبي صلى الله عليه سلم:

«مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ» (البخاري).

الحلم والأناة وأثرهما في العدل وترك التحيز

ومن العفاف الباطن الحلم والأناة ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لِلأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ» (صحيح مسلم)، ولقد رأينا أُناسا كثيرين من خلق الله قد فقدوا هاتين الصفتين وسبب ذلك أنهم فقدوا العفاف الظاهر، ولقد بنى المسلمون علومهم على التدقيق والتحقيق والتثبت وهي صفات تنبثق عن الحلم والأناة، والحلم والأناة تجعل الإنسان يرى الحقيقة على ما هي عليه ولا يتسرع في تهمة الآخرين ولا في تأويل تصرفاتهم وأفعالهم بصورة ظالمة تخالف الواقع والحقيقة، ولا بصورة متحيزة، ولقد نهانا الله سبحانه وتعالى عن التحيز في آيات كثيرة، قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة :8]،

وقال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) [النساء : 135]،

وهذا يقتضي الصدق أولاً مع الله ومع النفس ويقتضي ثانياً معرفة حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال وأنها مزرعة للآخرة والآخرة هي الحياة الحقيقة الدائمة ولذلك نرى أن العفاف الباطني متعلق أيضاً بالعقيدة التي إذا ما فقدت فإن الدنيا بأثرها والأخلاق بجملتها قد لا تعني شيئا عند الإنسان.

التواضع والعزة المشروعة وخطر الكبر على المؤمن

ومن العفاف الباطني التواضع وفيه يقول رسول الله صلى اله عليه وسلم: مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ» (صحيح مسلم)، وأمرنا ربنا سبحانه وتعالى في آيات كثيرة بهذا التواضع وانه يجب أن يكون لله، ونهانا عن الكبر حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ (سنن أبي داود)، ويقول ربنا سبحانه وتعالى في نصيحة لقمان لأبنه والتي ربط فيها بين العفاف الباطن والظاهر:

(وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ) [لقمان:17-18]،

ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى فرق بين المعاني الدقيقة فجعل القوة في طلب الحق ليس من قبيل الكبر بل من قبيل عمارة الدنيا، قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة:54]،

وقال تعالى وهو يشرح هذا المعنى كله:

(أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح:29]،

فنراه سبحانه يستعمل لفظ العزة ويستعمل لفظ الشدة وهو الذي نهى نهيا تاماً عن الكبر والتكبر، قال تعالي:

أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:60]،

وقال:

(قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ) [الزمر:72]،

وقال:

(إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ) [غافر:56]

الشهامة والأمر بالمعروف كجزء من العفاف الباطني

ومن العفاف الباطن الشهامة والنجدة والنصرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولذلك نرى في واقع الناس أن الذي فقد العفاف الظاهر ليست عنده هذه المعاني ولا يلتفت إليها ولا يضعها في مكانها الصحيح ويراها نوعا من أنواع السذاجة ويجادل فيها بغير علم، قال تعالى:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الحج:3]،

وفي هذه المعاني يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُوا فَلاَ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (سنن ابن ماجه).

الجهاد الأكبر وجهاد النفس وعلاقته بذل الأمة

إن هذا كله هو من الجهاد الأكبر الذي عندما يفقد يتوه الجهاد الأصغر ويضيع والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر (أخرجه البيهقي في الزهد)، وربنا يقول:

(وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الحج:78]،

وبشر الله النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الجهاد في سبيله بالذلة فقال: فيقُولُ:

«إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (سنن أبي داود)

وعلة ذلك إننا لا نستطيع الجهاد الأصغر إلا إذا رجعنا إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس ومجمعه العفاف الباطني وإذا فقدنا الجهاد الأكبر فقدنا معه الجهاد الأصغر فنظل في حيرة لا نعرف لها نهاية.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الذي يقصده العلماء بمصطلح العفاف الباطني؟

مجموعة الأخلاق التي تجعل الإنسان إنساناً حقيقياً

ما الخصلتان اللتان أثنى عليهما النبي صلى الله عليه وسلم في الأشج عبد القيس؟

الحلم والأناة

ما عقوبة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر وفق الحديث النبوي؟

لا يدخل الجنة

ما الحديث النبوي الذي جعله المحدثون أول حديث يعلمونه لتلاميذهم؟

الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء

ما الذي يُميّز الإسلام بين الكبر المذموم والعزة المشروعة؟

القوة في طلب الحق ونصرة الدين ليست كبراً بل عمارة للدنيا

ما العلاقة بين الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر وفق المفهوم الإسلامي؟

فقدان الجهاد الأكبر يُضيّع الجهاد الأصغر

ما النتيجة التي حذّر منها النبي عند ترك الجهاد والانشغال بالدنيا؟

تسليط الله ذلاً لا يُنزع حتى الرجوع إلى الدين

ما الذي يحدث لمن يفقد العفاف الظاهر وفق المحتوى؟

يفقد العفاف الباطني أيضاً

ما الحكمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل الدعاء وفق الحديث النبوي؟

لأن تركه يُفضي إلى عدم استجابة الدعاء

ما الصفة التي ربطت بين العفاف الباطن والظاهر في نصيحة لقمان لابنه؟

التواضع وعدم الخيلاء في المشي والكلام

ما العلاقة بين العفاف الظاهر والعفاف الباطن؟

العفاف الظاهر يؤدي إلى العفاف الباطن، وفقد أحدهما يؤدي إلى فقد الآخر، فهما مترابطان ارتباطاً وثيقاً.

لماذا تُعدّ الرحمة من أبرز أنواع العفاف الباطني؟

لأن الله بدأ كتابه بالرحمة في البسملة، وأكد النبي أن الراحمين يرحمهم الرحمن، وأن من لا يرحم لا يُرحم.

كيف يُسهم الحلم والأناة في بناء العلوم الإسلامية؟

بنى المسلمون علومهم على التدقيق والتحقيق والتثبت، وهي صفات تنبثق عن الحلم والأناة التي تمنع التسرع في الأحكام.

ما مضمون الآية القرآنية التي تنهى عن التحيز في الشهادة؟

قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى.

ما الفرق بين التواضع المطلوب والعزة المشروعة في الإسلام؟

التواضع لله واجب والكبر محرم، لكن القوة في طلب الحق ونصرة الدين ليست كبراً بل عزة مشروعة وصفها الله بقوله: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.

ما الآيات القرآنية التي تُحذّر من الكبر وتُبيّن عاقبته؟

قال تعالى: أليس في جهنم مثوى للمتكبرين، وقال: قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين.

لماذا يرى من فقد العفاف الظاهر أن الأمر بالمعروف نوع من السذاجة؟

لأن فقدان العفاف الظاهر يُفضي إلى فقدان العفاف الباطني الذي تنبثق منه قيم الشهامة والنجدة والأمر بالمعروف، فيصبح الإنسان لا يُقدّر هذه المعاني.

ما معنى قول النبي: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؟

يقصد النبي أن جهاد النفس وتزكيتها هو الجهاد الأكبر الأعظم شأناً، وأن الجهاد الخارجي هو الأصغر، وفقدان الأول يُضيّع الثاني.

ما الأعمال التي ذكرها الحديث النبوي علامةً على ترك الجهاد والانشغال بالدنيا؟

التبايع بالعينة وأخذ أذناب البقر والرضا بالزرع وترك الجهاد، وعقوبة ذلك تسليط الله ذلاً لا يُنزع حتى الرجوع إلى الدين.

ما الصلة بين العقيدة والعفاف الباطني؟

العفاف الباطني متعلق بالعقيدة، فإذا فُقدت العقيدة الصحيحة وإيمان الإنسان بالآخرة فقد لا تعني الأخلاق والدنيا شيئاً عنده.

ما الآية القرآنية التي تأمر بالجهاد في الله حق جهاده؟

قال تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل.

ما الشرط الذي يجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقبولاً وفاعلاً؟

أن يكون صاحبه متحلياً بالعفاف الباطني من رحمة وحلم وتواضع وشهامة، وأن يُبادر به قبل أن يُبتلى بعدم استجابة الدعاء.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!