اكتمل ✓

ما مقاصد الحج الروحية والفقهية وكيف يمكن تفادي حوادث رمي الجمرات؟

مقاصد الحج تشمل إظهار التوحيد وتعظيم شعائر الله وتحقيق وحدة الأمة وتجديد العهد مع الله بالتقوى. كما يُعدّ الحج مؤتمرًا سنويًا لنقل العلوم وتوحيد الأمة. أما حوادث رمي الجمرات فسببها الجمود على الفكر الفقهي دون اجتهاد، والحل يكمن في التوسع في إباحة زمن الرمي أربعًا وعشرين ساعة، والإنابة عن الضعفاء، والتعاقب في الرمي أيام التشريق.

ما مقاصد الحج الروحية والفقهية وكيف يمكن تفادي حوادث رمي الجمرات؟
ما مقاصد الحج الروحية والفقهية وكيف يمكن تفادي حوادث رمي الجمرات؟
9 دقائق قراءة
  • هل يعلم الحاج أن مقاصد الحج تتجاوز الأحكام الفقهية لتشمل التوحيد والتقوى وتجديد العهد مع الله؟

  • الحج يدل على التوحيد بمعناه الشامل: نبي واحد وكتاب واحد وأمة واحدة وقبلة واحدة وحج واحد.

  • كان الحج تاريخيًا مؤتمرًا سنويًا لنقل المخترعات والأفكار بين علماء المسلمين من الشرق إلى الغرب.

  • حوادث رمي الجمرات ليست أزمة قانونية بل أزمة فكر فقهي يأبى الاجتهاد ويجهل مقاصد الحج في حفظ النفس.

  • مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر اقترح التوسع في زمن الرمي أربعًا وعشرين ساعة والإنابة عن الضعفاء والتعاقب في أيام التشريق.

  • الحج مبني على التيسير، ولم يُسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال: افعل ولا حرج.

المعاني الروحية للحج وأثره في التوحيد والتقوى

الحج 3

تكلمنا عن معرفة أحكام الحج فقها، إلا أنه يجب الالتفات إلى معاني أخرى في الحج غير المعاني الفقهية وهي المعاني الروحية، فإن الحج يدل على التوحيد وعلى الإذعان لله سبحانه وتعالى فهو يعلم الأخلاق الحميدة ويبعدنا عن الأخلاق الذميمة، ويأمرنا بالتقوى، قال سبحانه:

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِى الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِى الأَلْبَابِ﴾ [البقرة :197].

والحج تجديد للحياة، فيبدأ الإنسان بعد الحج صفحة جديدة مع ربه يعاهده فيها على السير على طاعته والعزم على امتثال أمره واجتناب نهيه، ولعل لأجل ذلك المعنى قام سيدنا عمر بن الخطاب بوضع التقويم الهجري العربي للمسلمين بداية من شهر محرم، فكان هو أول العام الهجري، فهو بداية سنة جديدة في العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، فكان بداية تقويم المسلمين.

شمولية التوحيد ووحدة الأمة في الحج والعبادات

والحج يدل على التوحيد بمعناه الشامل، فهو حج واحد، وفيه توحيده الحج وحدة للأمة حيث يجتمعون من كل مكان يلبون نداء الله سبحانه وتعالى.

والمسلم يؤمن بالتوحيد ليس فقط توحيد الإله، بل توحيد شمل كل شيء في بنائه العقائدي، فنبيه صلى الله عليه وسلم واحد؛ وكتابه واحد، والأمة واحدة، والقبلة واحدة، والرسالة واحدة عبر الزمان، والحج واحد، قال تعالى :

﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة :196]،

وشهر واحد افترض الله صومه على المسلمين :

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة :185].

نقد دعوات تعدد الحج ووجوب تفعيل التوحيد

وقد خرج علينا ودعا إلى تعدد الحج –وهو لا يفهم هذا المعنى- فذهب عقله إلى الخلط بين التخريف والتحريف، وبين الاجتهاد الذي كان عليه أئمة الأمة وبين الانسلاخ من الدين، فالله يدعونا إلى تفعيل التوحيد في حياة الناس، وهؤلاء يدعوننا إلى تعدد ما جعله الله واحدا، إنها غفلة تقتضي منه لا يسعنا معها إلا أن نقول له ولأمثاله «سلام عليكم».

الحج مؤتمر سنوي لنقل العلوم وتوحيد الأمة

فالحج يعد مؤتمرا سنويا يوحد الأمة ويكتب غير المسلمين ويتعبون أن كل المخترعات التي اخترعت لدى المسلمين في الشرق يجدونها وبعد شهور قليلة قد طبقت في الأندلس في الغرب والحال كذلك عند علماء الأندلس من أهل الصناعة والهندسة والطب وغيرها يجدونها انتقلت إلى الصين والهند لدى المسلمين وتتبعوا هذه الظاهرة العجيبة فوجدوا أن الأمر إنما هو مردود إلى الحج حيث يجتمع فيه علماء المسلمين ويتبادلون الخبرات، يقومون بنقل المخترعات والأفكار والنظم والإدارات والإجراءات وحدة للأمة، وقوة للدولة، ووقوفا أمام الحضارات الناقصة.

منافع الحج الحقيقية وتراجعها مع وهن الأمة

فكان المسلمون يشهدون في الحج منافع لهم على الحقيقة لا على المجاز، فكان يعود منه إلى أقطارهم وقد ازدادوا قوة إلى قوتهم إلى أن دب الوهن في قلوب المسلمين فأحبوا الحياة، وكرهوا الموت، وتشرذمت الأمة، وتفرق الناس فأصبح الحج خاليا من معناه، وينبغي أن يعود المسلمون لعمل المؤتمرات العلمية لا تلقى يها الخطب الرنانة، بل تقدم فيها الأبحاث وتوضع فيها السياسات وتتفق فيها الشعوب.

إظهار التوحيد وتعظيم شعائر الله في الحج

فوظيفة الحج إظهار التوحيد، وتعظيم شعائر الله، وهذا التعظيم هو من تقوى القلوب فينبغي على المسلم إذا ذهب إلى بيت الله الحرام أن يعظم شعائر الله، يقول تعالى :

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة :185].

وقال سبحانه :

﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج :26]

وكلمة «سجود» مصدر، ولكنها أطلقت على الساجدين، وإطلاق المصدر على جمع الفاعلين مثل شهود وقعود، وإطلاقه بهذه الكيفية وكأنه ينفي الشخص وينظر إلى الفعل، وانتفاء الشخص معناه أنه قد فنى في الله سبحانه وتعالى، وأنه قد طلق الدنيا من قلبه، وأنه في سجوده لم يبق له وجود سوى هذا السجود لرب العالمين، وأنه يكرر ذلك السجود ويسجد لله دائما، فهو دليل على كثرة السجود.

الحج منطلق لوحدة الأمة والنسك حول البيت العتيق

يرشدنا ربنا في الحج إلى وحدة الأمة وإلى التكافل الاجتماعي بينها، وإلى القيام بشأنها والاهتمام به، وينبهنا إلى أن يكون الحج منطلقا وبداية، وليس من أجل شيء آخر، إنما جاءوا لإعلان التوحيد بالنسك المأخوذ عن حبيب الحق وسيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى :

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج :29]

البيت العتيق، وهو الكعبة المشرفة محل نظر ربنا، والنظر إليها عبادة، فهي مهبط الرحمان، وموضع يستجاب فيه الدعاء.

التشبه بالملائكة في الطواف والاعتزاز بالدين

وطواف المسلمين بالبيت العتيق فيه تشبه بملائكة الرحمن الحافين حول العرش، فالمسلمون يحاكون الملأ الأعلى ولديهم المنهج القويم الذي به أسرار الكون والعبادة، وعمارة الدنيا وسلامها، فالبشر جميعهم يحتاجون إلينا، فعلينا أن نقوم بدورنا وندعو إلى الله بالحال قبل القال، وألا نيئس ولا أن نسير في مهالكنا خلفهم، بل علينا أن نعتز بالله ورسوله، وأن نعتز بديننا.

مشكلة حوادث رمي الجمرات وضرورة الاجتهاد

ننتقل إلى أمر نتذكره في كل موسم حج، ونتألم كثيرا له، وهو حوادث رمي الجمرات.

إن الأمة بوسعها تفادي تلك المأساة إذا ما أعملت العقول، وفعلت الفكر، وأعادت النظر والاجتهاد في مسألة إطالة مدة الرمي، وكذلك وسعنا قضية الإنابة في الرمي خاصة عن الضعاف وكبار السن.

قراءة أزمة الجمرات كخلل فقهي وذهني

كما إننا بإمكاننا أن نقف لنقرأ حال الأمة من خلال حوادث رمي الجمرات، ولنضع أيدينا على الخلل في التفكير الفقهي الذي أدى إلى مثل هذه الحوادث المأسوية، مما يؤدي إلى موت المئات من جنسيات كثيرة، وإصابة الآلاف بإصابات مختلفة وهم يؤدون منسكًا من المناسك التي لها دلالة نفسية يمنع من تحصيلها والتمتع بأثرها هذه الأزمة الفكرية، وهذه الحالة بالعقلية الفقهية التي يصر عليها الكثير.

فالأزمة ليست قانونية ولا تنظيمية ولا حتى فقهية، فسلطات تنظيم الحج قد أخذت بالفتوى الصادرة من جهات عديدة في السنين الماضية بأنه يجوز للمسلم أن يرمي الجمرات في أي ساعة شاء من ليل أو نهار.

وهو نص البيان الذي أصدره مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف (هيئة كبار العلماء) وأصدرت دار الإفتاء المصرية هذا المعنى مرارًا، وهو أمر قد صدرت فيه فتاوي من العلماء منذ أكثر من ثلاثين سنة، بل إنه في الفقه الإسلامي الموروث ذهب إليه اثنان من كبار المجتهدين، وهما طاوس بن كيسان اليماني، ومجاهد وكان من تلامذة حبر الأمة، وابن عم النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكثير من المحدثين منهم الشيخ عبد الله آل محمود وألف فيها كتابًا، والشيخ يوسف القرضاوي، وغيرهم كثير.

اعتماد الفتوى بالتيسير في الرمي وبداية سؤال الأزمة

ولقد أيدت وزارة الحج السعودية هذه الفتوى واعتمدتها في العمل من السنة الماضية؛ ولذلك رأينا أن البنود لا تمنع الناس لأداء هذا المنسك في أي وقت كان، كما كان يحدث في سنين ماضية؛ حيث لم يكن عدد الحجاج قد زادت إلى هذا الرقم الكبير، فقد وصل إلى ثلاثة ملايين في هذا العام.

رأينا أن الأزمة لا تتمثل في القوانين والفقه، وفي هذا المقال نجيب عن ذلك السؤال المحير: من أين تبدأ الأزمة في حوادث الجمرات المتكررة ؟

بداية الأزمة في الفكر الفقهي وتعريف الاجتهاد

الأزمة تبدأ في الفكر الفقهي الذي يأبى الاجتهاد ويجهله، والاجتهاد هو بذل الوسع في فهم النصوص الشرعية لاستنباط الأحكام منها، ولقد ركد الفكر الفقهي، وركن إلى التقليد وإلى الاكتفاء بفقه الأوراق دون رغبة في دراسة الواقع، وهو أمر جد خطير ليس فقط في حدوث مثل هذه الحوادث، بل إنه خطير أيضًا من الناحية الدينية التي ترى في هذا التصرف نوعًا من الضلال والإثم أن ينظر أحدهم إلى ما سطر في الكتب فيوقعه في فتاويه من غير نظر إلى الواقع الذي يفتي فيه.

كلام القرافي وابن تيمية عن إدراك الواقع في الفتوى

ويقول القرافي في كتابه الفروق : (والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين) [الفروق للقرافي 1/177، 178]، وهو يؤيد ما سطره ابن تيمية في كيفية الفتوى من وجوب إدراك الواقع، وأن الفتوى مبنية (على أصلين: أحدهما: المعرفة بحالهم، والثاني: معرفة حكم الله في مثلهم [مجموع الفتاوى 28/510] فالمعرفة بالحال جزء لا يتجزأ من الفتوى.

اجتهادية وقت رمي الجمرات ودرجات أعمال الحج

فظهر لنا إذن أن الرمي بعد الزوال ليس محل اتفاق أو إجماع بين العلماء، وعلى ذلك فهو من المسائل المجتهد فيها التي يجوز لنا أن نفهم النص لتحقيق مصلحة الواقع، وليس في هذه المسألة نص بذاتها، بل إنه مأخوذ من عموم قوله صلى الله عليه وسلم :

(خذوا عني مناسككم) [رواه البيهقي]

مع أنه قد رمى الجمرة عند الزوال قبل الصلاة.

وهذا العموم مع ذلك الفعل لا يدل على الوجوب الذي ذهب إليه كثير من العلماء عبر التاريخ، فالمناسك منها ما هو ركن كالوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة والسعي، ومنها ما هو ركن وفيه خلاف في ركنيته كالحلق والتقصير لشعر الرأس، ومنها ما هو واجب لو فاته الحج بعذر فلا إثم عليه ويجب عليه أن يذبح ذبيحة لله، ولو تركه بغير عذر فهو آثم، ويذبح نفس الذبيحة أيضًا، ومنها ما هو سنة أو هيئة من سنن أو هيئات الحج تاركها لا إثم عليه ولا ذنب، فالقول بالوجوب استدلالا بعموم ذلك الحديث محل نظر واجتهاد منذ القديم، والتمسك بهذا الفهم مع هذه الحالة الموجودة نوع من أنواع الضلالة كما يقول القرافي رحمه الله تعالى.

مقصد الخشوع في الصلاة وعدم المبالغة في الهيئات

ويؤكد ذلك المعنى قوله صلى الله عليه وسلم :

(صلوا كما رأيتموني أصلي) [رواه البخاري]

فالصلاة هدفها الخشوع :

(قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون : 1، 2]

وذلك حتى يتذكر المؤمن ربه، فيقلع عن الفحشاء والمنكر

(وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) [العنكبوت :45]،

والصلاة تشتمل على أركان وسنن وهيئات فلا تصح إلا باستيفاء أركانها، ولكن وضع اليمنى على اليسرى، ورفع اليدين عند التكبير، وقولنا سمع الله لمن حمده هيئات الصلاة بتركها.

وليس معنى قوله صلى الله عليه وسلم : (صلوا كما رأيتموني أصلي) أن كل هذه الهيئات من أركان الصلاة، بل ولا أن تركها يستوجب إثمًا، ولكن الإثم الصحيح هو أن يشتغل بهذه الهيئات حتى يذهب خشوعه، وحتى تصير الصلاة مجرد شعيرة ظاهرية لا علاقة لها بأن يترك الفحشاء أو المنكر التي يمارسها خارج الصلاة، فتفقد الصلاة بهذا الاهتمام الزائد هدفها ومراد الله فيها.

واجب الرمي بين هيئة الزمان ومقصد حفظ النفس

وكذلك واجب الرمي، له هيئة في الزمان لا تجعلنا نهلك أنفسنا، ولم يأمرنا الله بذلك، بل أمرنا بخلافه فقال تعالى :

(وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة :195]
وقال : (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء :29] وقال : (وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [الأنعام :151].

فإذا انضم إلى ذلك أن الحج بني على التيسير، فلم يُسأل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء قُدم أو أُخر إلا قال : (افعل ولا حرج)، ولم يُسأل عن شيء فيه عذر من تأخير في الزمان أو ضيق في المكان، أو حال اعترت من حج معه إلا وقد أباح له ذلك، فأين هذا من عقلية قد أغلقت نفسها على الأوراق فضاع من ضاع بسببها.

أثر تجاهل التيسير وقرارات العلماء في حوادث الحج

تأكد لنا أن وقوع مثل تلك الحوادث المروعة بموسم الحج ، سببه في الأصل عدم الالتفات للنصوص والقرارات الميسرة، التي إذا ما التزم بها الحجيج تجنبنا كثيرًا من تلك الأزمات.

وقد أقر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف بعض الحلول لتفادي وقوع حوادث مماثلة لحادث التدافع الذي وقع أثناء رمي الحجاج للجمرات في منى في موسم الحج عام 1424 هـ، الموافق بداية فبراير عام 2004، حيث أرسلت لجنة تابعة لمجمع البحوث خطابًا باسم الأزهر إلى وزير الحج السعودي ومفتي السعودية، وتم إرسال ذلك الخطاب فور موافقة المجمع في جلسته الأخيرة في 24 مارس 2004 على تفويض شيخ الأزهر في إعداد ذلك الخطاب الذي يشمل اقتراحات طرحها أعضاء المجمع.

مقترح توسيع زمن رمي الجمرات وتحقيق حفظ النفس

وكانت أولى تلك المقترحات ما نصه : (التوسع في إباحة زمن رمي الجمرات في جميع الأيام الخاصة به، بحيث يكون الرمي 24 ساعة في كل يوم من هذه الأيام نظرًا للزحام الشديد الذي يحدث كل عام خلال أداء الحجاج لهذه الشعيرة، ويترتب عليه في الغالب عنت شديد يلم بهم، وضرر عظيم للضعفاء قد يصل إلى الموت، خاصة أنه من المعلوم من الدين بالضرورة أن من أهم أسباب مشروعية الحج المحافظة على النفس وإحياؤها، ومنع الضرر والهلاك عنها، وبذلك تكون كل مناسك الحج ـ بما فيها رمي الجمار ـ محققة للغرض الذي شرع له الحج، ومؤكدة لحكمة مشروعيته، وهو إحياء النفس، وعليه فلا يتصور أبدًا أن تكون مناسك العبادة التي شرعت لإحياء النفس سببًا في هلاكها، ولذلك فإن بعض الفقهاء من المسلمين ـ قديمًا وحديثًا ـ صرحوا بجواز الرمي في أي وقت)

الإنابة في الرمي والتعاقب في أيام التشريق

كما تضمن ذلك الخطاب مقترحًا آخر كان نصه : (ضرورة الإنابة في الرمي للنساء وغير القادرين عن طريق نشر الوعي بين الحجيج بأن من الخير للنساء وغير القادرين أن يوكلوا غيرهم من الرجال والقادرين لرمي الجمرات عنهم حتى لا يتعرضوا للضرر والزحام الشديد).

ونص كذلك على : (العمل بمبدأ التعاقب في الرمي أيام التشريق الثلاثة بمنى، وذلك بتفويج الحجيج وتقسيمهم، مع الجمع بحيث يجمع رمي يومين في يوم واحد لكل طائفة مع مراعاة الترتيب خاصة أنه لا حرج في ذلك شرعًا؛ لأن أيام التشريق كلها زمان واحد للرمي).

الحلول الهندسية والتنظيمية وخاتمة بالدعاء

وختم ذلك الخطاب اقتراحاته بالإشارة إلى حلول أخرى غير فقهية، وكان نصه في ذلك الشأن : (إن هناك تيسيرات أخرى تتعلق بجوانب هندسية من حيث توسيع الأماكن المخصصة للرمي وهي متروكة للسلطات في المملكة العربية السعودية؛ لأن أهل مكة أدرى بشعابها). كانت هذه كلمة المجمع في حل مثل هذه الأزمات، رزقنا الله تفاديها في الأيام المقبلة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الذي يدل عليه الحج من الناحية الروحية وفق الآية الكريمة 'وتزودوا فإن خير الزاد التقوى'؟

التوحيد والإذعان لله وتعليم الأخلاق الحميدة والتقوى

من الذي وضع التقويم الهجري للمسلمين مستلهمًا من معنى الحج كتجديد للحياة؟

سيدنا عمر بن الخطاب

ما الظاهرة التي لاحظها غير المسلمون وتتبعوها فوجدوا أن مردّها إلى الحج؟

انتقال المخترعات والأفكار بسرعة بين أقطار العالم الإسلامي

ما الدلالة الروحية لاستخدام كلمة 'سجود' مصدرًا أُطلق على الساجدين في قوله تعالى 'والركع السجود'؟

الفناء في الله وطلاق الدنيا من القلب وكثرة السجود

ما الذي يُشبّه فيه طواف المسلمين بالبيت العتيق؟

الملائكة الحافّين حول العرش

ما الجذر الحقيقي لأزمة حوادث رمي الجمرات وفق التحليل الفقهي؟

الفكر الفقهي الجامد الذي يأبى الاجتهاد ويجهله

ما تعريف الاجتهاد في الفقه الإسلامي؟

بذل الوسع في فهم النصوص الشرعية لاستنباط الأحكام منها

ما الأصلان اللذان ذكرهما ابن تيمية كأساس للفتوى الصحيحة؟

معرفة حال المستفتين ومعرفة حكم الله في مثلهم

ما موقف القرافي من الجمود على المنقولات في الفتوى؟

أنه ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين

ما درجة الوقوف بعرفة في مناسك الحج؟

ركن من أركان الحج

ما الآية التي استُدل بها على تحريم إلقاء النفس في التهلكة في سياق أزمة الجمرات؟

ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

ما المقترح الأول الذي أرسله مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر لحل أزمة الجمرات؟

التوسع في إباحة زمن الرمي بحيث يكون أربعًا وعشرين ساعة في كل يوم

لماذا يجوز شرعًا جمع رمي يومين في يوم واحد في أيام التشريق؟

لأن أيام التشريق كلها زمان واحد للرمي

ما مقصد الصلاة الأساسي الذي ينبغي ألا يُضيَّع بالاشتغال بالهيئات؟

الخشوع وتذكر الله والانتهاء عن الفحشاء والمنكر

من العالمَين القديمَين اللذَين ذهبا إلى جواز رمي الجمرات في أي وقت؟

طاووس بن كيسان ومجاهد

ما المعنى الروحي لكون الحج تجديدًا للحياة؟

يبدأ الإنسان بعد الحج صفحة جديدة مع ربه يعاهده فيها على السير على طاعته والعزم على امتثال أمره واجتناب نهيه.

لماذا اختار عمر بن الخطاب شهر محرم بداية للتقويم الهجري؟

لأن الحج يُعدّ تجديدًا للحياة وبداية سنة جديدة في العلاقة مع الله، فجعل محرم الذي يلي موسم الحج بداية العام الهجري.

ما عناصر التوحيد الشامل في البناء العقائدي الإسلامي؟

نبي واحد وكتاب واحد وأمة واحدة وقبلة واحدة ورسالة واحدة عبر الزمان وحج واحد وشهر صيام واحد.

كيف كان الحج يُسهم في نقل الحضارة الإسلامية بين الشرق والغرب؟

كان علماء المسلمين يجتمعون في الحج ويتبادلون الخبرات وينقلون المخترعات والأفكار والنظم، فكانت المخترعات تنتقل من الشرق إلى الأندلس ومن الأندلس إلى الصين والهند في شهور قليلة.

ما الذي يجب أن تتضمنه المؤتمرات الإسلامية لتُحيي دور الحج الحضاري؟

ينبغي أن تُقدَّم فيها الأبحاث وتُوضع السياسات وتتفق فيها الشعوب، لا أن تُلقى فيها الخطب الرنانة فقط.

ما الدلالة الفقهية لقوله تعالى 'وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود'؟

الآية تأمر بتطهير البيت الحرام لأداء العبادة، وكلمة 'سجود' مصدر أُطلق على الساجدين دلالةً على الفناء في الله وكثرة السجود.

ما الفرق بين الركن والواجب والسنة في مناسك الحج؟

الركن لا يصح الحج بدونه كالوقوف بعرفة، والواجب يُجبر بالذبح إن تُرك بعذر أو بغيره، والسنة والهيئة لا إثم في تركها ولا ذبح.

ما حكم من يُصدر فتوى دون النظر في واقع المستفتين؟

يقع في نوع من الضلال والإثم، لأن الفتوى مبنية على أصلين: معرفة حال المستفتين ومعرفة حكم الله في مثلهم كما قرر ابن تيمية.

ما الآيات القرآنية التي تُحرّم إلقاء النفس في التهلكة وتُستدل بها على التيسير في الرمي؟

قوله تعالى 'ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة' وقوله 'ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا' وقوله 'ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق'.

ما الدليل النبوي على أن الحج مبني على التيسير؟

لم يُسأل النبي صلى الله عليه وسلم في الحج عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال: افعل ولا حرج، ولم يُسأل عن شيء فيه عذر إلا أباحه.

متى أرسل مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر خطابه بشأن حوادث الجمرات؟

في 24 مارس 2004م إثر حادث التدافع في منى عام 1424هـ الموافق بداية فبراير 2004م، وأُرسل إلى وزير الحج السعودي ومفتي السعودية.

ما شرط الإنابة في رمي الجمرات وفق مقترح مجمع البحوث؟

أن يوكّل النساء وغير القادرين رجالًا قادرين لرمي الجمرات عنهم حتى لا يتعرضوا للضرر والزحام الشديد.

ما مبدأ التعاقب في رمي الجمرات أيام التشريق؟

تفويج الحجاج وتقسيمهم مع جمع رمي يومين في يوم واحد لكل طائفة مع مراعاة الترتيب، لأن أيام التشريق كلها زمان واحد للرمي.

لماذا لا يعني قوله صلى الله عليه وسلم 'صلوا كما رأيتموني أصلي' أن هيئات الصلاة كلها أركان؟

لأن الصلاة تشتمل على أركان وسنن وهيئات، وهيئات كوضع اليمنى على اليسرى ورفع اليدين لا يستوجب تركها إثمًا، والإثم الحقيقي هو الاشتغال بها حتى يذهب الخشوع.

ما الحلول الهندسية المقترحة لتفادي أزمة رمي الجمرات؟

توسيع الأماكن المخصصة للرمي، وهي متروكة للسلطات في المملكة العربية السعودية لأن أهل مكة أدرى بشعابها.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!